
— قيس المعافري
رحل المشير، لكن مشروعه لم يرحل. غاب الجسد، وبقيت الفكرة حيّة في وجدان اليمنيين، لأن المشاريع الوطنية الكبرى لا تُقاس بأعمار أصحابها، بل بقدرتها على البقاء والاستمرار في ذاكرة الشعوب.
لقد مثّل مشروع اليمن الاتحادي آخر مشروع وطني حقيقي لإنقاذ البلاد من الانهيار والتشظي والحروب العبثية. لم يكن مجرد تقسيم إداري أو تسوية سياسية مؤقتة، بل رؤية متكاملة لبناء دولة عادلة، تُنهي عقود التهميش والهيمنة والصراع على السلطة، وتؤسس لوطن يتشارك فيه الجميع دون إقصاء أو احتكار.
أدرك المشير عبدربه منصور هادي مبكرًا أن اليمن لن يستقر تحت سلطة السلاح، ولن ينهض بعقلية الغلبة، وأن الدولة المركزية التي أُدير بها اليمن لعقود كانت أحد أسباب الانفجار الكبير.
لذلك حمل مشروع الدولة الاتحادية باعتباره حلًا تاريخيًا يعيد توزيع السلطة والثروة، ويحفظ الجمهورية، ويمنع عودة الاستبداد بصوره القديمة أو الجديدة.
ولهذا السبب تحديدًا، تعرّض المشروع لحرب شرسة؛ لأن قيام دولة اتحادية قوية يعني سقوط مشاريع المليشيات، وانتهاء نفوذ الجماعات المسلحة، وانكسار مراكز القوى التي اعتادت حكم اليمن بالقوة والفساد والخوف.
كانت المعركة أكبر من شخص هادي نفسه، إنها معركة بين فكرة الدولة وفكرة العصابة، بين الجمهورية والمليشيا، بين المستقبل والفوضى.
ورغم الانقلاب والحرب والانهيار، ظل مشروع اليمن الاتحادي حاضرًا كخيار لا يمكن تجاوزه، لأنه المشروع الوحيد الذي وُلد من حوار وطني شامل شارك فيه اليمنيون بمختلف مكوناتهم، لا من فوهة بندقية، ولا بإملاءات خارجية.
قد يختلف الناس حول أداء الرجال، لكن التاريخ سيتوقف طويلًا أمام حقيقة واحدة: أن المشير هادي حمل مشروع دولة في زمن كانت فيه البنادق أعلى صوتًا من السياسة، وتمسّك بالجمهورية حين كان كثيرون يساومون عليها.
لقد رحل صاحب مشروع اليمن الاتحادي، لكن المشروع نفسه لم يمت، ولن يموت؛ لأنه لم يعد مشروع رجل، بل أصبح حلم وطن يبحث عن دولة عادلة تتسع لجميع أبنائه.



