كتابات و اراء

عيد ومأساة

عميد المهيوبي

يعود العيد حملاً ثقيلاً على كاهل البسطاء في مدينة طال وقوف الفاسدين عليها وحج إليها العابثون من كل فجٍ عميق وضيفاً ضاقت به الأرض بما رحبت في بيوت خاوية على عروشها، فارغة من كل شيء عدا دعوات الأمهات التي تلاحق السلطات في كل سجدة وعند كل طقوس دينية.

تعز التي كانت عاصمة للثقافة ورمزاً لمقاومة الطغيان صارت اليوم قرية يغشاها الفساد من فوقها ومن تحتها ويُمارسُ فيها الالحاد الخدمي والاغتصاب المؤسسي على مراى ومسمع من أبنائها الذين اشغلتهم الترندات والمشادات الفارغة من المصلحة.

كنت أطمح أن تصبح تعز منارة للدولة ونموذجاً ينافس العاصمة عدن ويفوقها فكراً وخدمات وتنمية وسرعان ما تبددت تلك الأحلام وأدركتُ أنني مازلت ذلك الفتى المهوس بالمستقبل المفروش على اسفلت الشوارع الرئيسية لترقيع الحفر والأمل المدسوس خلسة بين حقائب المسافرين في الطرق البديلة إلى تعز وهم يؤدون شعائر الطواف لسبع ساعات في كل سفرة للسعي بين نقاطٍ عسكرية، ومنعطفاتٍ تبتلع أعصاب المسافرين واحداً تلو الآخر، حتى بات الوصول إليها يشبه العودة من حربٍ صغيرة يحمل فيها المرء جسده مرهقاً وروحه على حافة الانطفاء.

ربما كنت أحمق وأنا أرسم صورة المدينة في ذاكرتي بأبهى الصور قبل أن أجد فيها مبطلات العيش وأعرف كيف تحولت بفضل العبثية إلى قرية تعيش على أساطير الأولين كمن تحاول تلميع نفسها بالمكياج في ليلة ريح صرصرٍ يقتلع الشبابيك ويملؤ وجهها بالغبار.

عشية العيد تبدو تعز مدينة خارجة من مقبرة جماعية تسير على عكازين من الصبر، وتأكل ما تبقى من ذاكرتها كل مساء، ثم تنام قرب جرح مفتوح على اتساع البلاد.

الضوء شحيح فوق الأرصفة والعيد يمر مرتبكاً في الشوارع، متلعثماً، يطرق الأبواب بخجل متسول عجوز فقد حفيده في حرب طويلة وعاد يبحث عن اسمه بين أكوام الركام.

أطفال الحارات يطاردون كرة ممزقة قرب خزانات المياه الفارغة، ويفرون إلى البيوت مع كل تكدس سحابة محملة بالمطر خوفاً من أن يجرفهم السيل ويناشد أبائهم الحوثيين للبحث عنهم في عبارات السيل المليئة بالقمامة والأحجار. بينما تنبعث من النوافذ أصوات مولدات الكهرباء التجاري مثل سعال حاد يجثم على صدر المدينة التي صارت تحفظ أسعار المياه بعد أن كانت تحفظ القصائد عن ظهر قلب.

كل شيء هنا يشيخ بسرعة؛ الوجوه، الجدران، أعمدة الإنارة، وحتى الضحكات القصيرة التي يحاول الناس تهريبها وسط هذا الخراب الثقيل.

أعرف رجالاً صاروا يقيسون أعمارهم بعدد نقاط التفتيش، ونساءً يخبئن خوفهن داخل أواني الطبخ الفارغة، وعجائز يجلسون أمام أبواب المنازل بعينين معلقتين على طريق طويل يبتلع المسافرين ولا يعيد أحداً بالهيئة ذاتها.

الحرب غادرت الجبهات منذ أعوام، غير أن أنيابها مازالت مغروسة في أعصاب الناس، في طوابير الغاز، في صدور الموظفين الذين ينتظرون راتباً يشبه رسالة اعتذار متأخرة من وطن مسحوق.

أمشي أحياناً في شوارع تعز فأشعر أن المدينة تنظر إليّ بعين أرملة فقدت أبناءها دفعةً واحدة ثم تُركت تواجه الخذلان وحيدة تحت سقفٍ مليئ بثقوب الرصاص التي تملأ الغرف بالماء مع كل دمعة سحاب يتسابق لتوثيقها مئات المصورين دون أن ينظروا للبيت الذي صار غربالاً للماء ونحن في أزمة مياه وجودية لا تنتهي بنزول المطر.

المباني التي نجت من القصف تحمل شقوقاً طويلة تشبه تجاعيد مبكرة، والمقاهي القديمة فقدت ضجيجها الثقافي وتحولت إلى أماكن صامتة يحدق فيها الرجال نحو نشرات الأخبار وهواتفهم الرخيصة وأكواب الشاي الباردة، حتى الأغاني الخارجة من السيارات تبدو مكسورة، تائهة، تحمل وجعاً خافتاً يمر فوق القلوب مرور السكين على قماش رقيق.

يا لوحشةِ المدينةِ حين تتحولُ إلى ساحةِ مشاداتٍ صغيرة، بينما القتلةُ الكبارُ يتقاسمون الهواءَ والماءَ والنشيد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى