كتابات و اراء

عشرة أيام على دم الطفل “همّام الجرادي”… متى تستيقظ عدالة الدولة النائمة؟

مشتاق هاشم العلوي

في أحد شوارع منطقة نشطون بمدينة الغيضة، حيث كانت براءة الطفولة ترسم ضحكاتها على وجه الطفل “همام الجرادي”، انطلقت رصاصة غادرة لم تكن مجرد رصاصة، بل كانت إعلاناً صريحاً بأن شريعة الغاب قد نصبت نفسها حاكماً في المدينة سقط جسد همـام الصغير على الإسفلت البارد، وفي تلك اللحظة بالذات، سقطت معه هيبة الدولة بأكملها، وتطايرت نصوص القانون كأوراق الخريف اليابسـة.

منذ تلك اللحظة، لم يعد السؤال عن هوية القاتل، فهو معروف. بل أصبح السؤال طعنة في خاصرة الوطن: أين الدولة؟ أين تلك اليد التي كان من المفترض أن تسبق الرصاصة لتحمي، أو على الأقل تلاحق الدم قبل أن يجف؟

في ميزان العدل الإلهي والوضعي، لا تُقـاس الجرائم بحجم الجثث، بل بعمق الجرح الذي تتركه في ضمير المجتمع. والقانون اليمني، الذي كتبناه ذات يوم بمداد الأمل، يصرخ في المـادة رقم (233) بأن عقوبة القتل العمد هي القصاص. لكن هذا النص الصارم، حين يُترك على رفوف المكاتب المغلقة، يتحول إلى مجرد حبر ميت، وشاهد زور على عدالة لم تتحقق.

كل ساعة تمر والجاني حر طليق ليست مجرد تأخير بيروقراطي، بل هي خيانة لروح القانون، وصفعة على وجه كل من لا يزال يؤمن بأننا نعيش في ظل دولة لا في مزرعة للذئاب.

لقد ألزمت المادة (72) من” قانون الإجراءات الجزائية” أجهزة الأمن بأن تحيل ملف الجريمة للنيابة خلال 24 ساعة…لماذا؟ ليس حباً في الورق، بل خوفاً من أن تتلاعب أيادٍ خفية بمسرح الجريمة، أو أن يختفي صوت الشاهد، أو أن يتبخر اليقين في غبار المماطلة.

وها نحن اليوم نعدّ اليوم العاشر!! عشرة أيام، والملف لا يزال حبيس الأدراج، شاهداً على روتين إداري بارد لا يفرق بين بلاغ “مخالفة مرورية” وقضية قتل طفل. يبدو أن صراخ أم همام لم يكن عالياً بما يكفي ليصل إلى المكاتب المكيفة، أو أن دم ابنها لم يكن ساخناً بالقدر الذي يذيب جليد البيروقراطية القاتلة..!

لا يخدعنّكم أحد بالقول إن الرصاصة كانت طائشة، أو أن الطفل لم يكن هو المقصود فهذا عذر أقبح من الذنب، ترفضه المادة رقم(234) من قانون العقوبات التي تساوي بين من قُصد ومن لم يُقصد، ما دامت أداة القتل (الرصاص) لا تفرق بين كبير وصغير الطفل همام لم يكن ضحية “خطأ”، بل كان النتيجة الحتمية لعقلية آثمة استرخصت الأرواح، واختارت الرصاص لغة للحوار.

جريمة نشطـون اليوم ليست شجاراً بين أفراد، بل هي استفتاء على وجود الدولة كل لحظة تأخير في القبض على القاتل هي حفرة جديدة في جدار الثقة المتآكل بين المواطن ومؤسساته وهذا هو الموت الحقيقي للوطن؛ أن يصبح اللجوء إلى الدولة هو الخيار الأخير، أو ربما ليس خياراً على الإطلاق.

نحن لا نكتب هذا المقال لنشهر بأجهزتنا الأمنية، بل لنوقظ فيها ما تبقى من ضمير. نعاتبها عتاب الابن لأبيه حين يراه يتعثر نهمس في أذنها: إن صمتك يغري الذئاب بالخروج من جحورها، وتقاعسك يغذي شجرة الثأر التي لا تثمر إلا جماجم.

يا من أقسمتم على حماية هذا التراب، يا حراس المدينة النائمين… دم الطفل همام ليس مجرد قضية عابرة، بل هو أمانة في أعناقكم، سيُسأل عنها الجميع أمام الله وأمام التاريخ أوقفوا نزيف هيبة الدولة قبل أن يتحول إلى موت سريري.

في كل طفل يُقتل، تموت فينا أحلام الوصول إلى” دولة مدنية عادلة” وفي كل يوم يتأخر فيه القصاص، يُدفن جزء من روح الوطن تحت ركام الخذلان.

لكننا، ورغم كل هذا الوجع، ما زلنا نراهن على معدن الرجال الذي يظهر في الشدائد، وعلى أن هذا الصمت لن يطول.

فإما أن تستيقظ عدالة الدولة لتحقن الدماء… أو فلتستعد المنطقة لدفع ثمن الفراغ الذي يخلفه غياب القانون.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى