
في زحمة الأخبار المتلاحقة والتعقيدات التي نعيشها يوميًا قد يبدو رصد أداء مجلس القيادة الرئاسي تحت قيادة الدكتور رشاد العليمي، قراءة في بروتوكولات رسمية، لكن النظرة المتفحصة لما وراء “المصفوفات المزمنة” واللقاءات الدبلوماسية المكثفة تخبرنا بشيء أعمق، نحن أمام محاولة حقيقية لإعادة ترميم هيكل الدولة من الداخل وبصبر “رجل الإدارة” الذي يدرك أن العشوائية هي العدو الأول للشرعية.
ما يحدث اليوم في كواليس اجتماعات الرياض وعدن هو تحول نحو “مأسسة الصراع”، حيث لم تعد الدولة تواجه المليشيات بالشعارات فقط، بل بلغة الأرقام، والخطط الزمنية الدقيقة، وتوحيد القرار الأمني والعسكري الذي بدأ يؤتي ثماره فعليًا في تقليص مساحات الارتباك التي كانت تراهن عليها قوى الفوضى.
الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح، هي أن العليمي في خطابه الأخير أمام “تشاتام هاوس” وضع النقاط على الحروف بشجاعة سياسية افتقدناها طويلًا، حين نزع القناع عن محاولات تسويق الحوثي كطرف سياسي محلي، مؤكدًا للعالم أن القبول بسلطة “الأمر الواقع” ليس إلا شرعنة للعنصرية والسلاح المنفلت، وهذا الخطاب هو ما يحتاجه المجتمع الدولي اليوم ليفهم أن أمن البحر الأحمر يبدأ من تجفيف منابع التهديد على اليابسة وليس فقط بملاحقة المسيرات في عرض البحر.
هذا الوضوح الدبلوماسي يتوازى مع تحرك ميداني ذكي، تجلى في النجاح الإنساني الكبير بإتمام صفقة تبادل الأسرى والمحتجزين، وهي الخطوة التي تثبت أن الدولة هي الأم الحاضنة لكل أبنائها، وأنها الوحيدة القادرة على انتزاع “لحظات الفرح” من أنياب الحرب بمسؤولية وثبات.
ما يدعو للتفاؤل رغم قسوة الظروف، هو هذا الإصرار على الانتقال من “الإغاثة الطارئة” إلى “التنمية المستدامة” في الشراكة مع المنظمات الدولية مثل اليونيسف، وهو توجه يعكس عقلية استراتيجية تريد بناء مستقبل الأجيال القادمة بعيدًا عن مفخخات الجهل والتطييف.
نحن اليوم لا ننتظر حلولاً سحرية، بل نرى مسارًا تراكميًا يبدأ بتصحيح الاختلالات المالية والإدارية، ويمر بتعزيز الشراكة المصيرية مع الأشقاء في المملكة العربية السعودية، وينتهي بفرض واقع مؤسسي صلب لا يمكن تجاوزه في أي تسوية سياسية قادمة، وهذا تحديدًا هو جوهر المعركة التي يقودها الدكتور رشاد العليمي، معركة استعادة “هيبة الدولة” قبل استعادة جغرافيتها.



