كتابات و اراء

حين تتفق أبواق الحوثي وكتائب الضجيج، فاعلم أن معركة الدولة قد بدأت.

قيس المعافري

 

لا يمكن قراءة حملات الاستهداف المنظمة بوصفها صدفة عابرة، خصوصًا عندما تتلاقى أصوات يُفترض أنها متناقضة في الموقف والمشروع، لكنها تتوحد فجأة حول هدف واحد وشخصية واحدة. هنا تتجاوز المسألة حدود النقد السياسي الطبيعي، وتدخل في إطار صناعة الفوضى وإرباك مركز القرار داخل الدولة الشرعية.

فعندما تتفق كتائب الضجيج في الساحل، الممولة خارجيًا، مع الكتائب الإعلامية التابعة لمليشيات الحوثي على استهداف فخامة رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، فإن المشهد لا يمكن فهمه باعتباره اختلافًا في وجهات النظر، بل باعتباره تقاطع مصالح وأجندات تخشى وجود رجل يعمل بهدوء لإعادة ترتيب مفهوم الدولة واستعادة مركزها القانوني والسياسي والعسكري.

اللافت أن حملات الاستهداف لا تركز على ملفات فساد موثقة أو إخفاقات محددة، بقدر ما تعتمد على التضليل، والقصص المجتزأة، والتجييش العاطفي، ومحاولة صناعة صورة ذهنية لدى الشارع بأن مؤسسة الشرعية هي أصل المشكلة، بينما يتم القفز عمدًا فوق حقيقة أن البلاد تعيش حربًا مركبة ومعقدة منذ سنوات، وأن تفكيك الدولة لم يكن نتيجة قرار إداري، بل نتيجة انقلاب مليشياوي دموي قادته مليشيات الحوثي وصالح، بدعم إيراني واضح.

ما يحدث اليوم يكشف أن بعض القوى لا تخشى ضعف الدولة بقدر ما تخشى عودتها. فوجود دولة حقيقية يعني نهاية مشاريع النفوذ الشخصي، ونهاية اقتصاد الحرب، ونهاية المليشيات العابرة للمؤسسات. ولهذا يصبح استهداف رأس الشرعية ضرورة لدى كل الأطراف التي استفادت من الفوضى، سواء كانت جماعات انقلابية صريحة أو مراكز نفوذ تعيش على هشاشة المشهد.

ومن يراقب طبيعة الحملات الإعلامية يلاحظ بوضوح أن هناك تنسيقًا غير مباشر في الرسائل والأهداف وحتى التوقيت. فكلما تحركت القيادة السياسية باتجاه توحيد القرار، أو إعادة تنظيم المؤسسات، أو ضبط الموارد، ارتفع منسوب الضجيج فجأة، وكأن هناك من يشعر بالخطر من أي خطوة تعيد للدولة تماسكها.

المفارقة أن بعض الأصوات التي تقدم نفسها باعتبارها حامية للجمهورية، تمارس عمليًا أخطر عملية إنهاك للشرعية، في لحظة مصيرية تحتاج فيها البلاد إلى تماسك سياسي وعسكري، لا إلى فتح معارك جانبية تخدم الحوثي بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

فإضعاف رأس الشرعية في هذا التوقيت لا يصب إلا في مصلحة المشروع الحوثي، الذي يدرك جيدًا أن معركته الحقيقية ليست فقط مع الجبهات العسكرية، بل مع بقاء فكرة الدولة اليمنية نفسها.

الرئيس رشاد العليمي لا يخوض معركة سهلة، بل يقود مرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الحسابات المحلية والإقليمية والدولية، ويحاول إدارة توازنات ثقيلة داخل معسكر واسع ومتشعب. وقد يختلف معه البعض سياسيًا، وهذا حق مشروع، لكن تحويل الخلاف إلى معاول هدم ممنهجة ضد مؤسسة الرئاسة يخدم مشروع الفوضى أكثر مما يخدم الوطن.

إن أخطر ما تواجهه اليمن اليوم ليس فقط السلاح الحوثي، بل أيضًا الحرب النفسية والإعلامية التي تستهدف ضرب ثقة الناس بأي مشروع دولة، وتحويل الشارع إلى ساحة إحباط دائم، بحيث يبدو الانهيار وكأنه قدر لا يمكن مقاومته.

ولهذا فإن كشف ما خلف الستار أصبح ضرورة وطنية، لأن المعركة لم تعد مجرد معركة جبهات، بل معركة وعي أيضًا. ومن لا يدرك كيف تتقاطع مصالح الفوضى رغم اختلاف شعاراتها، سيفاجأ يومًا بأن الضجيج الذي ظنه معارضة وطنية، لم يكن سوى غطاء لمعركة أكبر تستهدف إسقاط ما تبقى من فكرة الدولة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى