الرئيس رشاد العليمي: استراتيجية “التفكيك الهادئ” وضجيج الكتائب المستعارة للمتضررين
د. علي العسلي

في السياسة، ليست كل الشائعات أو حملات الاستهداف دليلاً على قرب السقوط؛ بل إن بعضها يكون المؤشر الأدق على أن “مشرط الجراح” بدأ يلامس مناطق النفوذ الحقيقية، ويضع يده على مفاصل ظلت لعقود خارج سلطة الدولة. ولهذا، فإن الحملة المتصاعدة ضد رئيس مجلس القيادة الرئاسي، الدكتور رشاد العليمي، لا تبدو مجرد اختلاف طبيعي حول الأداء، بقدر ما تعكس ارتباكاً متزايداً داخل تشكيلات النفوذ وشبكات “اقتصاد الفوضى”، التي بدأت تشعر بأن مرحلة الدولة الهشة التي تتغذى عليها تقترب من نهايتها.
وفي اللحظات التي تسبق التحولات الكبرى، يعلو الضجيج حول قبطان السفينة؛ فتارة يُرمى بالضعف، وتارة بالتواطؤ، وأخرى بالارتهان. غير أن القراءة الهادئة للمشهد تكشف أن كثيراً من هذا الضجيج ليس سوى أصوات “الكتائب المستعارة للمتضررين”، تلك التي ترتفع كلما اقتربت الدولة من استعادة المال أو القرار أو المؤسسات، وخاصة العسكرية منها.
إن الرجل الذي يُقدَّم أحياناً بوصفه “مرناً”، هو نفسه الذي بدأ ـ بهدوء ـ عملية تفكيك البنى العسكرية والمالية والإدارية التي جعلت اليمن طوال السنوات الماضية مجرد جزر متنافرة ومراكز قوى متصارعة. والمفارقة أن كثيراً ممن يهاجمونه اليوم بسبب ما كانوا يصفونه بـ“مرونته” مع المجلس الانتقالي، يتجاهلون عمداً أن هذه المرونة كانت الأداة الجراحية التي سمحت بتفكيك أعقد الملفات دون انفجار شامل. فالسياسة ليست صداماً دائماً، بل هي فن امتصاص القوة وإعادة صهرها داخل إطار الدولة.
لقد ظن البعض أن المرونة ضعف، غير أن ما تحقق على الأرض يثبت العكس؛ فالتشكيلات التي كانت تُدار بميزانيات ورعاية خارج النسق الرسمي باتت اليوم وحدات مُرقّمة ومبصّمة تستلم مرتباتها عبر بوابة الدولة. وهنا لا نتحدث عن شعارات، بل عن انتقال فعلي لمركز السيادة المالية والعسكرية من الخارج إلى الداخل. ومن يملك الراتب يملك القرار، ومن يملك المؤسسة يملك المستقبل؛ وهذه من أخطر معارك استعادة الدولة التي يخوضها العليمي دون ضجيج.
أما فرية “الارتهان”، فتتحطم أمام حقيقة أن الرئيس يمضي في تفكيك شبكاتها وإعادة تشكيل أدواتها لصالح الدولة. فقد أعاد ترتيب مراكز الثقل الميداني والإداري لصالح شخصيات أكثر التصاقاً بفكرة الدولة وأكثر قبولاً وطنياً، أمثال الفريق محمود الصبيحي وأحمد سالم الخنبشي. وهنا يبرز تناقض يصعب على المنطق ابتلاعه: فالقوى ذاتها التي ظلت لسنوات تصفه بأنه “الأقرب إلى دوائر القرار” و“الشخصية الأكثر حضوراً في معادلة الشرعية”، بل و“الذراع التي لا يُستغنى عنها داخل منظومة الدعم السياسي”، عادت فجأة لتبشر بقرب الاستغناء عنه وانتهاء دوره.
والمفارقة هنا ليست سياسية فقط، بل عقلية أيضاً؛ إذ كيف يمكن في اللحظة نفسها تصوير الرجل باعتباره شديد الارتباط بمراكز القرار، ثم تقديمه بوصفه عبئاً يجري التخلص منه؟ وكيف يُعقل أن يُتهم بالارتهان، بينما تشير الوقائع على الأرض إلى أنه يمضي في إعادة بناء مركز الدولة، وإعادة ضبط التوازنات، وتقليص نفوذ الشبكات الموازية التي ظلت لسنوات تعمل خارج منطق المؤسسات؟
إنها ليست قراءة سياسية بقدر ما هي حالة ارتباك سردي؛ فحين تعجز الحملات عن تفسير التحولات الجارية، تقع في تناقض مع نفسها، وتتحول الشائعة من أداة ضغط إلى دليل على اضطرابها الداخلي. فالدول لا تُدار بهذه الخفة التي تتخيلها منصات الضجيج، ولا تدخل مرحلة إعادة ترتيب مؤسساتها عبر الفوضى أو القفز في الفراغ، بل عبر تدرج محسوب يعيد الاعتبار لفكرة الدولة دون صدمات مدمّرة.
أما السردية التي تتحدث عن “قرب استبداله”، فهي تتجاهل أن الرجل لم يأتِ من فراغ سياسي أو مغامرة شخصية، بل جاء نتيجة مشاورات يمنية ـ إقليمية واسعة في الرياض، وبتفويض كامل ونهائي من الرئيس عبدربه منصور هادي. والأهم أن الإقليم نفسه لا يبدو اليوم في وارد تفكيك رأس الشرعية في لحظة شديدة الحساسية، بل على العكس؛ هناك ما يشبه إعادة تموضع للدور اليمني داخل ترتيبات البحر الأحمر والأمن الإقليمي.
وعلى صعيد النفوذ الإقليمي، فإن ما جرى فعلياً بقيادة العليمي هو انتقال اليمن من حالة التبعية إلى حالة الشراكة السيادية. فقد أُعيد ربط الملفات الأمنية والعسكرية بمؤسسات الدولة، وهو مسار بطبيعته يخلق خصومات حادة؛ لأن كل مساحة تستعيدها الدولة تعني خسارة مقابلة لمركز نفوذ موازٍ. العليمي لم يصطدم بالخارج، بل استوعب معادلة الأمن الإقليمي ليجعل من الدولة اليمنية جزءاً من الحل لا من الفوضى.
واليوم، يتحول المجلس الرئاسي عملياً من حالة التعدد المتصارع إلى مركز قرار أكثر انسجاماً؛ إذ تُدار الاجتماعات بشكل مصغر، وتُتخذ قرارات تنفيذية مباشرة، مع تمرير فكرة الحكومة المصغرة لتقليص شلل المحاصصة. وفي موازاة ذلك، تتقدم معركة السيادة المالية عبر إلزام المحافظات بالتوريد للبنك المركزي وتوحيد الأجهزة الأمنية، لأن الدولة لا تُستعاد بالخطب، بل حين تصبح هي المرجع الوحيد للمال والسلاح والقرار.
وخارجياً، أعاد العليمي تعريف السردية اليمنية. فحين يتحرك لحماية الممرات الملاحية في البحر الأحمر، فهو لا يمارس دوراً بروتوكولياً، بل يعيد تموضع اليمن كفاعل استراتيجي. وحين يؤكد أمام القوى الكبرى أن أي تسوية لا يمكن أن تُبقي الوكلاء المسلحين خارج إطار الدولة، فهو يضع معادلة جديدة: الدولة أولاً، وما دونها تفاصيل.
في الخلاصة، لا أحد يدّعي أن المشهد مثالي، فالأزمة اليمنية لا تزال عميقة والمعاناة حاضرة. لكن معيار الحكم في اللحظات الانتقالية لا يكون بالصخب، بل باتجاه البوصلة: هل نحن ذاهبون نحو تفكك إضافي أم نحو إعادة بناء المركز؟
من يراهن اليوم على سقوط العليمي عبر “كتائب الإشاعات المستعارة”، إنما يراهن على عودة زمن الفوضى. لكن التاريخ لا تصنعه الضوضاء، بل تصنعه التحولات الهادئة التي تعيد تشكيل الدولة من الداخل. وبين ضجيج العابرين وصمت البناء، تظل النتيجة وحدها هي من يكتب المستقبل.



