كتابات و اراء

الزعازع.. حين يغدو الكهف محراباً للعلم ومنارةً للأجيال

أحمد الزعزعي

في أعالي الزعازع، حيث تتعانق الجبال مع السماء وتروي الصخور حكايات الإنسان الأول، تتجلّى صورة إنسانية آسرة تتجاوز حدود المكان والزمان، لترسم لوحة نابضة بمعاني الاستخلاف والعطاء.

هنا، في أحد كهوف الزعازع، يلتقي عبق الماضي بإشراقة المستقبل، في مشهد تختلط فيه هيبة الكبار ببراءة الصغار؛ رجال يحملون ذاكرة الأرض، وأطفال يحملون ملامح الغد.

لطالما كان الكهف مأوى الإنسان الأول، ورفيق رحلته الطويلة في مواجهة الطبيعة وتقلباتها، غير أنّ كهف الزعازع في هذا “المقيل” الصيفي لم يعد مجرد صخرة تحتضن العابرين، بل تحول إلى رمز حيّ لاستمرارية الحياة وتجددها، حيث يسلم جيلٌ لجيلٍ آخر مشعل البقاء والبناء.

وما يضفي على هذا المشهد جماله الخاص، ذلك الوعي الفطري العميق لدى الآباء؛ إذ لم يجعلوا من ساعات المقيل وقتاً عابراً تُستهلك فيه الأحاديث، بل حوّلوها إلى مدرسة مفتوحة تحت سقف الجبل.

أطفال بكراريسهم الصغيرة وأقلامهم المتواضعة، يجلسون في حضرة الكبار، ينهلون من نور العلم، ويتربّون على مكارم الأخلاق وقيم الأدب والانتماء.

في الزعازع، يبدو المشهد وكأن الطبيعة نفسها تشارك في صناعة الوعي؛ فالصخور مقاعد، والكهف فصل دراسي، والهواء الريفي العابر بين الجبال يحمل في طياته رسالة خالدة مفادها أن العلم لا تحدّه الجدران، ولا تعرقله قلة الإمكانات، بل تصنعه الإرادة الصادقة والعزيمة الراسخة.

إنها صورة تختصر إيمان أبناء الزعازع بأن العلم هو الرافعة الحقيقية للنهوض بالأمم، والطريق الأكثر رسوخاً نحو صناعة الحضارة وحماية الهوية.

فحين تؤمن المجتمعات بقيمة المعرفة، يتحول أبسط الأماكن إلى منابر نور، وتغدو الجلسات الاجتماعية محاضن حقيقية لبناء الإنسان.

ما أبهى أن تحتفظ ذاكرتنا الريفية بمثل هذه المشاهد النقية؛ مشاهد تمزج بين بساطة العيش وعلو الهمة، وبين خشونة المكان ورقّة الرسالة.

إنها الزعازع… حيث لا تُورَّث الأرض وحدها، بل يُورَّث معها الوعي، والعلم، والحلم الكبير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى