كتابات و اراء

العليمي يقود معركة إعادة بناء الدولة من قلب الانقسام والفوضى

قيس المعافري

 

عندما تختلط خطوط السياسة بخرائط الحرب، وتتقاطع مصالح الداخل مع حسابات الخارج، تبرز معركة من نوع مختلف تمامًا: معركة استعادة الدولة بوصفها فكرة قبل أن تكون سلطة، ومؤسسة قبل أن تكون نفوذًا. هنا تحديدًا يبرز دور رئيس مجلس القيادة، الدكتور رشاد العليمي، كفاعل رئيسي في معركة ليست آنية، بل تاريخية، تتعلق بإعادة بناء المعنى العميق للدولة اليمنية.

ما يقوم به العليمي لا يمكن قراءته ضمن الإطار التقليدي لإدارة الأزمات، بل في سياق مشروع تفكيك وإعادة تركيب شامل. فهو يتحرك في حقل ألغام سياسي، حيث لا توجد رفاهية القرارات الحاسمة والسريعة، بل تبرز ضرورة بناء التوافقات، وإدارة التباينات، ومنع الانفجار الداخلي داخل معسكر يُفترض أنه يقاتل من أجل هدف واحد. هذه المهمة وحدها تضعه أمام اختبار يومي، ليس فقط في قدرته على القيادة، بل في قدرته على الحفاظ على الحد الأدنى من وحدة القرار.

اللافت في مسار العليمي أنه يدير صراعًا متعدد المستويات في آنٍ واحد. فعلى المستوى السياسي، يسعى إلى إعادة تشكيل مركز القرار داخل الشرعية بما يحد من التشتت ويقود إلى قدر أكبر من الانسجام. وعلى المستوى المؤسسي، يعمل على إحياء أجهزة الدولة التي تحولت خلال سنوات الحرب إلى هياكل شكلية فاقدة للفاعلية. أما على المستوى الاستراتيجي، فيحاول إعادة تموضع الدولة اليمنية في محيطها الإقليمي والدولي، بما يعزز حضورها كشريك لا كعبء.

لكن الأعمق من ذلك كله هو إدراك العليمي أن معركة الدولة تبدأ من استعادة هيبتها في وعي الناس. فالدولة التي لا يشعر المواطن بوجودها في حياته اليومية، لا يمكن أن يدافع عنها حين تُهدد. من هنا تأتي محاولاته لإعادة تشغيل مؤسسات خدمية وتحسين الأداء الإداري، ليس كإجراءات روتينية، بل كخطوة لإعادة بناء العلاقة المكسورة بين المواطن والدولة. إنها معركة نفسية بقدر ما هي سياسية.

في ملف القضايا الوطنية، يواجه العليمي شبكة معقدة من الملفات المؤجلة التي لم تعد تحتمل مزيدًا من الترحيل. ومع ذلك، فإن خطورة هذه الملفات لا تكمن فقط في حساسيتها، بل في سهولة استغلالها سياسيًا. لذلك يتبنى مقاربة حذرة تحاول الموازنة بين الاستجابة للمطالب المشروعة ومنع تفكيك ما تبقى من كيان الدولة. هذا التوازن، وإن بدا بطيئًا، إلا أنه يمنع الانزلاق إلى حلول كارثية سريعة.

ولا يمكن تجاهل أن العليمي يقود هذه المعركة في ظل بيئة شديدة القسوة: اقتصاد يترنح، موارد شحيحة، مؤسسات ممزقة، وضغوط إقليمية متباينة الاتجاهات. ومع ذلك، فإن ما يميز أداءه هو محاولته تحويل هذا الضعف إلى دافع لإعادة البناء، لا ذريعة للانهيار. إنه يشتغل على الممكن دون أن يفقد البوصلة نحو الهدف الأكبر.

ربما لا يقدم هذا المسار نتائج فورية تُرضي الشارع المتعطش للتغيير السريع، وربما لا يمنح خصومه مادة سهلة للمزايدة، لكنه في جوهره يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة بناء الدول: التراكم لا القفز، والمؤسسات لا الأفراد، والاستدامة لا الانتصارات المؤقتة.

يمكن القول إن الدكتور رشاد العليمي لا يخوض معركة سلطة، بل معركة معنى—معنى الدولة وهيبتها ودورها. وبين صخب الشعارات وسرعة الأحكام، يبقى هذا النوع من المعارك هو الأبطأ في الظهور، لكنه الأكثر تأثيرًا في رسم ملامح المستقبل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى