
بينما تتجه الأنظار إلى مدينة المكلا، الحاضنة الوديعة التي تستعد لاستضافة “القمة الثقافية اليمنية”، يجد المثقف الحقيقي نفسه أمام تساؤلات وجودية تتجاوز بريق الأضواء ومنصات الخطابة.
إننا نبارك هذا الجهد الاستراتيجي الذي ترعاه مؤسسة حضرموت للثقافة واليونسكو والاتحاد الأوروبي، لكننا في الوقت ذاته، نرفض أن تتحول الثقافة إلى مجرد “مكياج” يُوضع على وجه واقعنا المشوه، أو أن تُختزل في “لحن” عابر لأبوبكر سالم أو “أغنية” شجية لأيوب طارش؛ فالثقافة التي لا تتحول إلى “سلوك يومي” و”عقد اجتماعي” يصون الكرامة، هي ثقافة ميتة لا يعول عليها في بناء الأوطان.
إن أولى الخيبات التي يجب أن توضع على طاولة القمة بجرأة، هي تلك “الردة الحضارية” التي نعيشها والمتمثلة في إغلاق كليات العلوم الإنسانية في جامعاتنا. إنها جريمة ثقافية مكتملة الأركان؛ فكيف لأمة تعيش في قاع التخلف الاجتماعي والشتات القيمي أن تغلق كليات الفلسفة والاجتماع والتاريخ؟ إننا بهذا العبث نغلق “المختبرات” التي تصنع (المواطن) الواعي، لنكتفي بكليات تخرج (موظفين) بلا روح. إن العلوم الإنسانية هي “البوصلة” التي تمنع المجتمع من السقوط في مستنقع العنصرية والمناطقية، وإغلاقها هو إعلان رسمي عن الاستسلام للجهل وتجريف الوعي اليمني لصالح مشاريع التجهيل. هذا التجريف للوعي هو الذي مهد الطريق لعسكرة المجتمع، على حساب تنويره.
إننا نعيش مفارقة دامية؛ حيث تُبذل الثروات والجهود لإنتاج “نصف مليون جندي” يحملون أدوات الموت، بينما كان الأجدر بنا استثمار هذه الطاقات لإنتاج “نصف مليون شاب يحمل الماجستير” في شتى العلوم والآداب. إن جيشاً من الباحثين والعلماء هو الضمانة الوحيدة لنهضة اليمن، أما صناعة الجيوش من المسلحين_في غياب الوعي_فلا تنتج إلا مزيداً من المتارس والدمار. إننا بحاجة لإعادة تعريف “القوة”؛ فالقوة الحقيقية تكمن في (المختبر والمكتبة) لا في (الثكنة والمترس).
وفي سياق محور (ربط البحث العلمي بصناعة القرار)، يجب أن نعترف بمرارة أن جامعاتنا لا تزال تمارس “التلقين” لا “التنوير”. إننا نهدر سنوات الطالب الأكاديمية في تكرار موروثات دينية واجتماعية يعرفها منذ ولادته، ونحشو عقله بـ “ثقافة الوعظ” التي تنتج “أصناماً” تكرر الأساطير، بدلاً من صناعة “عقول نقدية” تبحث وتكتشف.
إننا بحاجة ماسة لـ”علمنة المعرفة”؛ ليس بمعاداة التدين الفطري للمجتمع، بل لتحرير العلم من وصاية “مطاوعة الدين العرطة” الذين جمدوا العقل اليمني في قوالب الماضي. الجامعة يجب أن تخرج “باحثاً” يواجه مشكلات العصر برؤية علمية متقدمة، لا “واعظاً” يعيد إنتاج صراعات التاريخ في قوالب أكاديمية باهتة.
وعندما نتحدث عن (الهوية والتراث)، يجب أن ندرك أن ثقافة “الصحراء والبعير” التي كانت وسيلة للبقاء في أزمان غابرة، لم تعد صالحة لقيادة دفة المستقبل. نحن اليوم في عصر “النانو والذكاء الاصطناعي والعلوم المتقدمة”، واستمرارنا في اجترار أنماط التفكير القديمة هو نوع من “الانتحار الحضاري”.
إن استلهام تجارب الأمم التي نهضت من ركام الحروب، كاليابان وألمانيا، ليس تبعية أو نسياناً للهوية، وإنما هو “ذكاء وجودي” يفرض علينا تحديث (محركنا الثقافي) ليواكب متطلبات العصر، مع الحفاظ على جوهرنا القيمي الذي يحمي الإنسان.
إن قمة المكلا يجب أن تجيب بوضوح في محور (السياسات الثقافية): كيف نحمي شبابنا من المهرة إلى صعدة من سرطان “الشبو” والمخدرات الذي يتمدد في ظل “التصحر الثقافي”؟؟ إن السياسة الثقافية الناجحة هي التي تجعل من المركز الثقافي “مصدّاً أمنياً” يحمي العقل قبل أن تصل إليه السموم.
نحن لا نريد قمة “تُجمل الفشل”، بل نريد قمة تعترف بأننا فشلنا ثقافياً وأخلاقياً، لتبدأ رحلة التصحيح من “هندسة العقل” أولاً.
إن اليمن الكبير يبدأ من هنا.. من كلمة صادقة، ورؤية شجاعة، وعودة حقيقية لمحراب العلم والتنوير الذي لا يداهن ولا يجامل.



