خلف كل كيس دقيق 2.5 دولار.. فاتورة “الزمن الضائع” التي يسددها المستهلك في اليمن
تقرير | محمد عبدالقادر اليوسفي

في اليمن، لم تعد أخبار البحر الأحمر مجرد “نشرات ملاحية” يتابعها المواطن في التلفاز، بل أصبحت ضريبة قاسية يؤديها مع كل وجبة، وبالنسبة لبلد يبتلع 90% مما يأكله عبر البحر، لم يعد الحديث عن هذه الإضطرابات رفاهية إخبارية، بل هو جرس إنذار يُقرع في كل مطبخ.
الليلة الماضية فقط، جاء الخبر من الصومال كالقشة التي تقصم ظهر البعير: “مضيق باب المندب الاستراتيجي يُغلق رسميًا بوجه السفن الإسرائيلية”، في خطوة ترفع منسوب الخطر البحري إلى مستويات جنونية.
الخبز ضحية جغرافيا ملتهبة
دعونا ننزع الغطاء عن الرقم المسكوت عنه، فالتقارير السابقة لوكالات الأنباء، والتقارير الرسمية، كانت تتحدث عن زيادة “عادية” في أجور الشحن، اما اليوم تحديدًا في أبريل 2026، دخلنا مرحلة “الرسوم العقابية”، فشركات الشحن العملاقة لم تعد تكتفي برفع الأسعار، بل فرضت ما يُسمى بـ”رسوم مخاطر الحرب” .
عندما نقوم بتفكيك شفرة الألم نجد إن تكلفة شحن الحاوية الواحدة قد قفزت سابقًا، واليوم شركات مثل هاباغ لويد وCMA CGM تفرض رسومًا إضافيًا صريحًا يتراوح بين 1,500 و2,000 دولار على الحاوية القياسية (20 قدمًا) لمجرد أنها تعبر هذه المياه الملتهبة، وهذا المبلغ لا يمثل قيمة البضاعة ولا أصل الشحن، إنما “ضريبة الخطر” فقط.
عندما نُمرر هذا الرقم إلى كيس الدقيق (50 كجم) نجد التالي:
بافتراض حمولة قياسية ~28 طن للحاوية، ووفق سيناريو الرسوم الدنيا (1500$)، إذا أضافت “ضريبة الحرب” وحدها 1,500 دولار على الحاوية (التي تحمل نحو 28 طن)، فهذا يعني أن كل كيلوجرام من القمح دخل للتو وهو يحمل 5 سنتات إضافية فوق رأسه.
فالحصيلة النهائية هنا إن كل كيس دقيق يدخل اليمن اليوم بات مُثقلًا بما لا يقل عن 2.5 دولار كتكلفة شحن ورسوم حرب إضافية، قبل أن يراه التاجر، وقبل أن يلمسه الخباز، وقبل أن تدفع ثمنه أنت مضاعفًا.
طبخةٌ على نار الفقر
الصورة تصبح أكثر قتامة حين نفتح باب المطبخ اليمني، نجد الأسرة المكونة من 7 أفراد تستهلك شهريًا ما يقارب 75 كجم من الدقيق، وإذا كانت “ضريبة البحر” قد أضافت 5 سنتات على الكيلو الواحد، فهذه الأسرة تدفع اليوم 3.75 دولارًا إضافية شهريًا فقط لتأمين الخبز وحده.
في بلد تُقاس فيه الرواتب بالفتات هذا الرقم ليس مجرد مبلغ، بل وجبة كاملة تُنتزع من أفواه الأطفال، وهي فجوة غذائية تبتلع ما تبقى من ميزانية الأسرة، وتجبر الأمهات على الاختيار المر بين الخبز والدواء.
لماذا اليمن في مرمى النيران؟
الحقيقة الموجعة أن اليمن “أسير الجغرافيا”، 80% من لقمة العيش تمر عبر ميناء الحديدة، مما يجعل أي هزة في باب المندب زلزالًا مدمرًا في الداخل.
الخبر الذي نقلته رويترز عن إعلام إيراني ليلة الجمعة بشأن الموقف الصومالي ليس تفصيلًا سياسيًا عابرًا، بل هو تأكيد على أن الخناق يضيق، وأن أي سفينة حتى لو لم تكن هدفًا مباشرًا ستدفع فاتورة تأمين باهظة بسبب حالة “الخطر الشامل” .
الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح لم يعد خيارًا موفرًا، بل صار مكلفًا إلى حد الاحتراق النفسي، وإضافة 10 أيام للرحلة تعني زيادة في الوقود والرواتب، وإن السفينة التي كانت تنقل 4 حمولات صارت تنقل 3 ، وهذه هي معادلة “الشح” التي تجعل الغذاء ينفد من الأسواق قبل أن يرتفع سعره.
الخلاصة
بينما تنشغل قنوات الأخبار بعد الصواريخ والسفن المستهدفة، يقف رب الأسرة اليمني أمام كيس الدقيق وقد صار ثمنه خليطًا من البارود والتأمين البحري.
لقد تحول “باب المندب” من شريان حياة إلى بوابة عبور تقتطع من قوت الفقراء شهريًا، ومع كل إعلان عن “ضريبة حرب” جديدة من شركات الشحن العملاقة، يرتفع سور العزل حول اليمن أكثر، ويزداد سؤال البقاء صعوبة: هل بقي في الكيس ما يكفي؟
تم إعداد هذا التقرير بناء على تقارير رويترز (أبريل 2026)، وبيانات الأونكتاد، ودليل سلة الإنفاق المرجعية لليمن (CALP).



