
أعده لـ “تيار نيوز”: إبراهيم الجهلاني+شاكر الوجيه
تعاني محافظة تعز من ازمة مياه تعود جذورها إلى ما قبل عام2014م دون وجود أي حلول جذرية لهذه الأزمة ومع اندلاع الحرب على المحافظة في مارس من العام 2015م وانقسام المحافظة إلى قسمين ومنع الحوثيين ضخ المياه من الحقول المائية الشرقية زادت هذه الأزمة توسعاً مما أثقل كاهل المواطنين وزاد من معاناتهم في ظل وضع اقتصادي وسياسي مضطرب تعيشه البلاد.
قلة الأمطار وعدم وجود أي دراسات حقيقية لمعالجة الأزمة وكثافة السكان بالإضافة للحرب وعدم بسط مؤسسة المياه سيطرتها على كافة الآبار الخاضعة لها وسعت خارطة الجفاف في المحافظة وجعلت الازمة تأخذ إتجاه أكثر كارثية ولا يمكن أن تنتهي هذه الازمة بمجرد نزول الأمطار ومدى غزارتها.
وبحسب مصفوفة المشكلات والحلول لقطاع المياه في تعز ، كانت الطاقة الإنتاجية لمؤسسة المياه، قبل الحرب تصل إلى 21 ألف متر مكعب من المياه يومياً يتم إنتاجها من خمسة حقول مائية تشمل 76بئر موزعة على الضاحية الشرقية والغريبة من تعز ، برغم من ذلك كانت كمية لا تزال لا تكفي مقارنة بالإحتياج الطبيعي لسكان المدينة ، الذي يصل إلى 40 ألف متر مكعب يومياً.
لاحقاً ، بعد إندلاع الحرب وسيطرت جماعة الحوثي على الضاحية الشرقية (الحوبان) التي تضم 48 بئر تتوزع على ثلاثة حقول مائية “الحوجلة،الحيمة،الحوبان”
جهود رسمية
إنخفضت كمية المياه المتوفرة من شبكة المؤسسة إلى مايقارب 2200 متر مكعب يومياً ، بنسبة 20بالمئة تغطية سكانية؛ أي مايعادل لترين ونصف للفرد الواحد من المياه يوماً وهي أقل من المعيار المطلوب في حالة الطوارىء 15لترا وفقا لكتلة المياه والاصحاح البيئي في اليمن وفقاً للمصفوفة
جهود كبيرة بذلتها مؤسسة المياه من أجل الحد من تفاقم الأزمة تمثلت برفع الطاقة الانتاجية وهو ماواجه عراقيل في توفير الديزل لتشغيل المحطات.
مدير مؤسسة المياه في تعز، المهندس وثيق الاغبري قال في تصريحات سابقة لوسائل إعلام محلية ، إن سبب الأزمة في المدينة هو نتيجة توقف وانقطاع المياه من الحقول الرئيسية التي كانت تعتمد عليها تعز قبل إندلاع الحرب عام 2015م.
وأضاف أن إنتاج المياه قبل الحرب وسيطرة جماعة الحوثي على الاحواض الأساسية، كان بمعدل 20مليون لتر يومياً ، لافتاً بأنها كانت سابقاً لاتغطي الاحتياج الفعلي للسكان 35مليون لتر يومياً .
وأوضح الأغبري أن المؤسسة تعمل حالياً على حقل إسعافي واحد داخل المدينة يضم29بئراً ـ خمسة منها مستحدثة بمعدل طاقة إنتاجية تصل إلى 3200متر مكعب ؛ أي مايعادل 3 مليون و200 ألف لتر يومياً.
وأكد الاغبري أن الحل الجذري للأزمة يكمن في استعادة الحقول المائية الواقعة في مناطق سيطرة الحوثيين (الحوبان) سواء من خلال المفاوضات السلمية مع الجماعة أو عبر المواجهات العسكرية.
وأشار إلى أن المدينة حرمت من 21مليون لتر يومياً منذ إندلاع الحرب ، محذراً أن الازمة تزايدت حدتها بشكل كبير في السنوات الاخيرة.
وبشأن اتفاقية مؤسسة المياه في تعز مع المؤسسة في الحوبان الذي أُعلن عنه برعاية اليونيسف قال الأغبري إن، “الاتفاقية أنتهت قبل تنفيذها مؤكداً أن ماحدث في صنعاء من اختطافات لموظفي الأمم المتحدة ونقل مقرات المنظمات إلى العاصمة المؤقته عدن، تسبب بانهيار الاتفاقية وتوقفها منذ أغسطس الماضي”.
تقدر منظمة الصحة العالمية Who، إحتياج الفرد للمياه في الحالة الطبيعية مابين 50-100لتر يومياً. في حين أودت الفجوة الكبيرة بين الإنتاج والاحتياج في تعز إلى إعتماد السكان بشكل شبه كلي على مياه “الوايتات” (صهاريج الشاحنات) والابار الخاصة ، مماضاعف الأعباء الاقتصادية على الأسر وجعلهم عرضة للمخاطر في ظل وقوع المخزون المائي ضمن خطوط التماس وتحمل أعباء الوقوف في طابور المياه اليومي
معاناة يومية

المواطن سعيد مسعد 50عام يسكن في شارع المصلى ويستفيق كل يوم يحمل جالوناته الفارغة على عربة يدفعها بيده متنقلاً من جوامع المدينة للحصول على الماء
يقول سعيد في تفاصيل معاناته ” كان الوايت الماء بأقل من ستة آلاف ريال وكنت استطيع توفيره وكان مشروع المياه يصل لي كل عشرة أيام ولكنني مع اشتداد الأزمة وارتفاع أسعار المياه وجدتني غير قادر على توفير الماء وراتبي كله لم يعد يكفيني لشراء وايت ماء 6ألف لتر يضمن لي أمن مائي لمدة عشر أيام إلى جانب وقد وجدتني مضطراً لشراء عربة للبحث عن المياه.
وأضاف ” كل يوم أحمل في العربة ثلاثة جالونات الصباح أجوب بها المدينة بحثاً عن خزان سبيل أو جامع لأعبيها وأحياناً أقف في طوابير طويلة بانتظار دوري بالتعبئة أو أعود فارغاً بلا ماء”
وتابع “حياتنا أصبحت كلها معاناة وطوابير وبحثاً ومشقات ونحن نقف عاجزين عن فعل أي شيء يخفف من هذه المعاناة التي تقتلنا يومٍ بعد آخر وما يحزنني أكثر أن ابنتي الذي تدرس في الصف الرابع الابتدائي أصبحت تتغيب عن المدرسة كثيراً بسبب البحث عن المياه والتأخير في العودة مما يجعل الأزمة تتخذ أكثر من اتجاه في حياتنا وحياة ابنائنا”.
ويختم سعيد حديثه برسالة عاجلة لوزارة المياه والجهات المختصة والمنظمات الدولية بالتدخل وانقاذ المدينة من هذه الكارثة التي حلت على مواطني تعز”.
رحلة محفوفة بالمخاطر
وإلى الضفة الأخرى من المحافظة في ريف تعز الجنوبي بمنطقة الشقب بالتحديد يخاطر السكان هناك بأرواحهم ويمرون أمام قناصة الحوثيين المتمركزة في تبة الصالحين ما يجعل رحلة البحث عن المياه محفوفة بالمخاطر وغير واضحة المعالم والنهاية.
الكثير في الشقب من النساء والأطفال سقطوا ضحايا لقناصة الحوثيين في سبيل الحصول على الماء
كان آخرهم الطفل معتصم جميل عبدالله (12 عاماً) وهو أحد أطفال الشقب تعرض لإصابةٍ من قناص حوثي وهو في الطريق لأجل الحصول على خمسة لتر من المياه مما تسبب له بجروح بليغة تم على إثرها نقله إلى مستشفيات المدينة لتلقي العلاج وقبله الكثير من القصص وصولاً إلى قصة عفاف ودليلة اللواتي فقدن اقدامهن بسبب ألغام الحوثي المزروعة في المنطقة.

الحلول الممكنة
وبالرغم من طول هذه الأزمة الممتد إلى قبل عقود من الزمن وفشل أي معالجة للأزمة رغم الجهود التي تبذلها الجهات الرسمية إلا أن حصار الحوثي للمدينة وسيطرته على الحقول الشرقية للمدينة في أكبر جريمة لحقوق الإنسان وهو ما جعل من أزمة المياه أزمة مركبة تثقل كاهل المواطن التعزي وتستدعي الحاجة لإيجاد حلول جذرية لها.
وفي سياق البحث عن حلول جذرية للأزمة، يقول وزير المياه الأسبق عبدالسلام رزاز إن مشروع تحلية مياه البحر في مدينة المخا كان يمثل خياراً استراتيجياً واعداً لإنهاء أزمة المياه في تعز بشكل مستدام.
ويؤكد رزاز أن المشروع كان مطروحاً للتنفيذ قبل اندلاع الحرب، وبلغ مرحلة متقدمة بدعم سعودي، قبل أن يتوقف نتيجة التطورات السياسية والعسكرية في البلاد.
ويوضح لـ “تيار نيوز” أن التكلفة الإجمالية للمشروع قدرت بنحو 280 مليون دولار، تشمل إنشاء محطة التحلية ومد خطوط الإمداد وخزانات الضخ، وما يقارب نحو 180 مليون دولار– كان مقرراً كمنحة، فيما يُغطى المبلغ المتبقي عبر قرض تنموي.
ويرى رزاز أن هذا المشروع كان يمكن أن يشكل تحولاً نوعياً في معالجة أزمة المياه في تعز، باعتبارها من أكثر المحافظات كثافة سكانية، لافتاً إلى أن نجاح مثل هذه المشاريع يتطلب بيئة مستقرة تضمن استمرارية التنفيذ والتشغيل.
ويشير إلى أنه كان يوجد تفاهمات سابقة مع جهات دولية لتمويل مشروع طاقة رياح بقدرة 60 ميجاوات، يُخصص جزء منها لتشغيل محطة التحلية، في محاولة لخفض كلفة التشغيل وضمان استدامة الخدمة مستقبلاً.
وبالرغم من هذا كله تبقى ازمة مياه تعز أزمةٌ مفتوحة لا تنتهي بسقوط المطر ولا حل جذري لها إلا تحلية مياه البحر ويمضي مع ذلك السؤال متى تنتهي هذه الأزمة؟



