
يعاني سكان عزلتي راسن والعلقمة في مديرية الشمايتين جنوب غرب محافظة تعز من غياب شبه تام للخدمات الصحية والمختصين ما يجعل المرضى أمام خيارات محدودة.. غالبًا ما تنتهي بمضاعفات خطيرة أو فقدان الأرواح..
في هذه القرى المنتشرة على سفوح الجبال وأطراف الأودية، تحمل الأمهات أطفالهن المرضى بحثًا عن أمل هشّ، وهنّ يدركن مسبقًا أن المركز الصحي قد يكون مغلقًا، أو أن الدواء غير متوفر، أو أن الطبيب غادر المكان. مشاهد يومية تختزل واقعًا تتحول فيه الرعاية الصحية من حق أساسي إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر.
هنا يجبر السكان على قطع مسافات طويلة عبر طرق وعرة للوصول إلى مركز المديرية في مدينة التربة، في رحلات تستغرق ساعات، يصل فيها المرضى وقد أنهكهم الألم وأثقلهم النزيف أو المضاعفات، لتضيف الطريق معاناة جديدة إلى معاناتهم الصحية.
رحيل بسبب النزيف
أحمد عامر عبد الرحيم، طفل في الثانية عشرة من عمره، أُصيب بطلقات نارية عن طريق الخطأ، ما أدى إلى جروح بالغة ونزيف حاد. ورغم محاولات إسعافه، إلا أن غياب الخدمات الصحية والإسعافات الأولية في المنطقة كان العامل الحاسم في فقدانه للحياة.
يقول أحمد الصغير العلقمي، أحد أقارب الطفل عندما أُصيب الطفل وقفنا عاجزين، لا نعرف أين نأخذه. مستوصف الدمدم في العلقمة كان مغلقًا، والمركز الصحي في راسن لا يقدم الخدمة المطلوبة ولا يضم كادرًا مؤهلًا.”
ويضيف اضطررنا لإسعافه إلى التربة، لكنه وصل وقد فارق الحياة، مثخنًا بجراحه ومتغسلاً بدمائه.”
مرافق بلا روح
يمثل غياب الكوادر الطبية المؤهلة أحد أبرز التحديات في المناطق الريفية، حيث يرفض كثير من الأطباء والمختصين الاستمرار في العمل برواتب متدنية وفي بيئة تفتقر لأبسط مقومات الاستقرار.
وفي هذا السياق، يقول الدكتور علي صالح، مدير مستوصف الدمدم كلما تمكنا من توفير كادر طبي لا يستمر طويلًا. طرقنا أبواب الجهات الرسمية مرارًا، لكن دون أي استجابة تُذكر.”
وفي حادثة أخرى، فقد الشاب نصير أحمد الفاضلي (23 عامًا) من أهالي وادي تب حياته، بعد تعرضه للدغة ثعبان سام.
ويروي أحد أقاربه أسعفناه إلى مستوصف راسن عند الساعة الحادية عشرة ليلًا، لكنه كان مغلقًا. انتظرنا طويلًا حتى حضر من يفتح الأبواب لإجراء الإسعافات الأولية، لكن نصير كان قد فارق الحياة.”
معاناة مستمرة
لا تتوقف معاناة المرضى عند حدود الألم الجسدي، بل تمتد إلى أعباء مادية تثقل كاهل الأسر، تشمل تكاليف النقل، وارتفاع أجور السيارات، وبعد المسافة، ووعورة الطرق.
يقول المواطن صهيب علي من قرية العفيف – راسن أصبحنا نُسعف أبناءنا مباشرة إلى التربة، لأننا نعلم أن المستوصف هنا لا يفي بالغرض ولا يقدم خدمة حقيقية وحتى الحالات الصحية البسيطة، مثل نزلات البرد أو الإسهال، باتت تمثل عبئًا ماليًا كبيرًا على السكان.
ويضيف عماد والي من قرية الحمر إذا أصيب أحد أطفالي بحمى أو إسهال، أضطر لنقله إلى التربة، وأتحمل إيجار سيارة خاصة، وأقضي يومًا كاملًا للعلاج. لو كان لدينا مركز صحي فعّال لانتهى هذا العناء.”
من ناحيتها القابلة أروى أحمد، العاملة في مستشفى خلفية بالتربة قالت تصلنا حالات كثيرة من مناطق بعيدة مثل العلقمة وراسن، وغالبًا تكون قد تعرضت لمضاعفات خطيرة بسبب طول المسافة وضعف التوعية الصحية. نشهد حالات تعسر ولادة، وموت أمهات، وتشوه أجنة.”
أمام هذا الواقع، يطلق سكان العزلتين مناشداتهم إلى قيادة المديرية، والجهات الرسمية، والمنظمات الإنسانية، مطالبين بتوفير مراكز صحية فاعلة، وكوادر مؤهلة، وخدمات إسعاف أولي.
وهنا يتحدث المواطنون بقسوة الحياة حيث يقولوا نشاهد أبناءنا يفارقون الحياة أمام أعيننا، ولا نملك سوى العجز. إسعاف المرضى بات عبئًا لا يحتمله الكثيرون في ظل الفقر وارتفاع تكاليف النقل.”
في ريف الشمايتين، يبقى السكان عالقين بين المرض وندرة الخيارات. تتكرر المأساة يومًا بعد آخر، بينما لا يطالب الأهالي سوى بالحد الأدنى: مركز صحي يعمل، طبيب حاضر، ودواء يحفظ الأرواح.
إن إنقاذ القطاع الصحي في هذه القرى لم يعد ترفًا أو خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة إنسانية عاجلة، قبل أن تتحول هذه المعاناة الصامتة إلى كارثة لا يمكن تداركها.



