كتابات و اراء

في الثالث من مايو، اليوم الذي يحتفل فيه العالم بالكلمة، أدفع أنا ثمنها مرتين: مرة للسلطة، ومرة لأمي!

مناف فائز الحميري

دخلتُ الإعلام بلا مباركة أمي، كانت تعرف أن الصحفي هنا لا يكتب بل يُسلخ. كانت تقول لي بلهجتها التي تقطر حليبًا وخوفًا:

يا ابني، مالك والإعلام؟ ادخل لك أي شيء ثانٍ، الناس ما تدور إلا بعد الإعلاميين..

 

كنت أطمئنها بالكذب الأبيض الذي يجيده كل الأبناء: يمه، لا تصدقي كل ما ينقال، ما دمتُ في صف الغلابة، وما دمتِ راضية عني أنتِ وأبي، والله ما يصيبني شيء…

 

كانت في البداية، وما زالت إلى اليوم، تختم كل مكالمة بوصية واحدة: يله، الله يوفقك، وانتبه على نفسك، وحاسب على كلمتك، وانشر اللي يخدم الناس، بس لا تدخل بالسياسة، وتورط نفسك وغيرك هو اللي يستفيد…

 

أمي لم تكمل الإعدادية، لكنها تفهم السياسة أكثر من كلية العلوم السياسية؛ تفهمها بقلب الأم الذي يرى الموت على الشاشة فيرتجف على ولده!

 

جاء وقت التخصص سنة ثالثة، وبعد إلحاحها الشديد وقلقها اللامتناهي، اخترت (علاقات عامة) رضًى لها، وقلت لها: خلاص، تخصصت علاقات، ولا شأن لي بالصحافة. وأنا أعلم أن من يشتغل على نفسه يقدر يصبح ما يريد، وأنا سأصبح؛ المهم أن يزول قلق أمي..

 

كثير من الزملاء نصحوني أن أدخل صحافة لأنهم يرونني هناك، وسيضحك البعض منهم عندما يقرأ تبريري هذا، لكني اخترت العلاقات لأجل قلبها لا لأجل المهنة؛ لأنني أعرف أن الصحافة لا تحتاج قسمًا في الجامعة، بل تحتاج قلبًا في صدر صاحبه!

 

قبل شهر أرسلت لي تسجيلًا صوتيًا: كيفك يا ابني؟ اليوم شفت بالشاشة قتلوا صحفيًا، وقلبي فجعني لأنك تدرس نفسه…

حاولت أن أضحك، أن أغير الموضوع، أن أقول لها إن أولئك في بلاد أخرى. كذبتُ، ونجحتُ في إخراجها من الخوف لدقائق، ثم عاد الخوف ليسكنها من جديد.

 

أبي لا يقل عنها، يتابع كل حرف أكتبه هنا، يُفرح إن كتبت جبر خاطر، ويصيح فوقي إن لمستُ جرحًا: يا ابني، مالك منهم؟ لو جرى لك حاجة محد بينفعك، ما شنقتهر إلا أنا، وأمك، وأخوانك، كلهم كذابين، كل واحد يجري بعد مصلحته، وأنت عادك جاهل (صغير)، بالرغم من أن عمري بالعشرين، لكنني ما زلتُ صغيرًا بنظرهم.

 

هذا أول قمع أمارسه في مسيرتي، هو قمع من أحب، لكنه قمع من نوع آخر، قمع مُغمس بالخوف والحليب والدعاء، قمع سببه أنهم يرون على الشاشات مقابر الصحفيين، وزنازينهم، وأرواحهم التي تدفع ثمنًا للكلمة!!

 

أمي وأبي ليسا ضد الحرية، هما ضد أن أكون أنا ثمنها.

 

في اليوم العالمي لحرية الصحافة، أتذكر أنني اخترت مهنة تجعل أمي تنام كل ليلة على دعاء واحد: يا رب احفظ لي ولدي من حروفه..

 

أنا لم أختر هذا المجال، بل هو من اختارني، ثم جاء أبي وأمي ليحاولا إنقاذي منه، فاخترت العلاقات لأجلهما، وبقيت الصحافة تُسكنني..

 

والغريب أنني أحبهما في هذا القمع أكثر من أي حرية؛ لأن هذا الخوف هو الوطن الوحيد الذي لا يُكذّب!

 

سيقول البعض: تخصصك علاقات، ما دخلك بالصحافة؟ وأنا أقول: الصحافة ليست تخصصًا يُعلق على الجدار.

الصحافة وجع الناس حين يسكن صدرك فتكتب!

 

ففي 3 مايو، لا أرفع قلمًا لأحتفي، بل أرفع سماعة الهاتف لأقول لأمي: أنا بخير يمه، لا تخافي، الكلمة ما تقتل اللي أمه راضية عليه… وأكذبُ عليها.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى