كتابات و اراء

عدالة المسكنات الإدارية

نادر الكحلاني

 

في الوقت الذي كانت فيه تعز تنتظر كشف الحقيقة في قضية الطفلة صفية التي فارقت الحياة في مستشفى السويدي، خرجت إلينا الجهات المختصة بوثيقة توقيف لعدد من الكوادر الطبية من أطباء وممرضين. ورغم أن ظاهر الإجراء يبدو كاستجابة فورية، إلا أن القراءة المتأنية لما بين السطور يكشف عن محاولة واضحة لتقديم أكباش فداء لامتصاص الغضب الشعبي عبر استهداف الحلقة الأضعف في المنظومة الصحية.

التنصل من المسؤولية؟

الوثيقة الصادرة بتاريخ 10 مايو 2026 والتي قضت بتوقيف الطبيب المناوب وطاقم الطوارئ والإسعاف تثير تساؤلات قانونية وأخلاقية عميقة. فهل يملك الطبيب سلطة القرار داخل منشأة تدار بعقلية الصندوق قبل الإنسانية؟
المعلومات الواردة من قلب المأساة تؤكد أن السبب الحقيقي لوفاة صفية لم يكن جهلاً طبياً بالخطة العلاجية بل كان عجزاً مادياً حال بينها وبين دخول غرفة العناية المركزة.

لقد فارقت صفية الحياة وهي تنتظر أن تفتح لها أبواب العناية التي استعصت على والدها بسبب وضعه المادي، وهنا تكمن الجريمة الحقيقية التي يحاول البعض اليوم مواراتها خلف قرارات الإيقاف والتشهير الإعلامي بالكوادر الصحية.

وفي تعليق لافت على هذه الإجراءات، انتقد مصدر طبي مسؤول لغة التشهير والتحريض المباشر ضد الكوادر الطبية مؤكداً أن التحقيقات كان يجب أن تظل بعيدة عن وسائل الإعلام لضمان مهنيتها. وبحسب المصدر فإن تحميل الأطباء مسؤولية عدم إدخال الطفلة للعناية هو انحراف مخزي لمسار التحقيق، فالطبيب في هذه المستشفيات لا يملك صلاحية التصرف وفقاً للحالة السريرية بل هو مقيد باشتراطات الإدارة التي تلزم المريض بقطع ملف العناية والدفع مسبقاً قبل أي إجراء.
ويتساءل المصدر بمرارة عن سبب عدم توقيف إدارة المستشفى، معتبراً أن تحميل الكادر الطبي وزر سياسات إدارية مالية متصلبة هو محاولة مفضوحة للهروب من استحقاقات الفساد الإداري والمالي الذي ينهش جسد القطاع الصحي في تعز.

الحقيقة لا تتجزأ:

إن قضية صفية ليست مجرد خطأ طبي مفترض بل هي إدانة لمنظومة تحول فيها الحق في الحياة إلى سلعة تشترى بالمال.
والتضحية بالأطباء والممرضين الذين فعلوا ما بوسعهم بما هو متاح لهم من صلاحيات لن يغلق ملف القضية بل سيفتح جرحاً جديداً في ثقة الكوادر المهنية ببيئة عملهم.
على الجهات المختصة في تعز وعلى رأسها السلطة المحلية أن تراجع مسار هذا التحقيق، وأن توضع الإدارة تحت المساءلة قبل الكادر. فالموت الذي اختطف صفية لم يأتِ من مشراط الطبيب بل جاء من فاتورة لم يستطع الأب دفعها ومن إدارة لم تمنح طبيبها حق إنقاذ حياة دون مقابل مادي مسبق.
صفية رحلت لكن الحقيقة يجب أن تبقى، والعدالة لن تتحقق بالمسكنات الإدارية التي ترمي التهم جزافاً لتغطية الفشل الهيكلي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى