كتابات و اراء

عبدالكريم لمروق.. سيرةُ رجلٍ اختار الميدان طريقًا لصناعة الأمن

عبدالجليل الصرماني

 

وتتحدثلدان التي أنهكتها الحروب، لا يصبح الأمن مجرد وظيفة حكومية، بل يتحول إلى معركة يومية يخوضها رجال يؤمنون بأن استقرار المجتمع يبدأ من الشارع، ومن شعور المواطن بأن هناك من يسهر على حمايته واستعادة حقوقه.

وفي محافظة شبوة، يبرز اسم العميد عبدالكريم علي لمروق كأحد الوجوه الأمنية التي استطاعت أن تفرض حضورها من خلال العمل الميداني والإنجازات المتلاحقة، بعيدًا عن الأضواء والشعارات.

فالرجل الذي تنقل بين مواقع أمنية مختلفة، حمل معه فلسفة واضحة في العمل تقوم على الحزم، وسرعة التحرك، وبناء الثقة بين رجل الأمن والمواطن، وهي معادلة تبدو شديدة الصعوبة في بيئة تعصف بها التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية.

بدأ العميد عبدالكريم لمروق مسيرته الأمنية في العاصمة صنعاء، حيث عمل مديرًا للبحث الجنائي في عدد من المناطق المهمة، وكان آخرها منطقتا الصافية وشعوب، وهما من أكثر المناطق كثافة وتعقيدًا من الناحية الأمنية. وخلال تلك الفترة، لمع اسمه كضابط ميداني يتحرك بنفسه إلى مواقع الأحداث، ولا يكتفي بإدارة العمليات من خلف المكاتب.

كان حضوره في الشارع لافتًا، يقود فرق الضبط ويتابع البلاغات بصورة مباشرة، في وقت كانت فيه الجريمة المنظمة وعمليات السطو والسرقات بالإكراه تتزايد داخل العاصمة.

تتحدث شهادات كثيرة عن نجاحاته الأمنية خلال تلك المرحلة، إذ تمكنت فرق البحث الجنائي بقيادته من ضبط عدد من أخطر المطلوبين والمتورطين في قضايا السرقات المسلحة، إضافة إلى تفكيك عصابات متخصصة بسرقة السيارات، كانت تنشط بالقرب من المرافق الحيوية والأسواق العامة، كما نجحت الحملات الأمنية في ضبط مروجي الخمور والمخدرات وعصابات النشل التي كانت تستهدف المواطنين في وسائل النقل العامة.

لم تكن تلك العمليات مجرد إنجازات روتينية، بل كانت تمثل استعادة تدريجية لهيبة الدولة في الشارع، ورسالة واضحة بأن الأجهزة الأمنية لا تزال قادرة على فرض القانون رغم الظروف المعقدة.

وخلال فترة توليه إدارة البحث الجنائي بمنطقة الصافية، اكتسب العميد لمروق سمعة الرجل القريب من الناس، إذ كان يعتمد على العمل الميداني المباشر والتواصل المستمر مع المواطنين، وهو ما ساعد في بناء شبكة من التعاون المجتمعي مع الأجهزة الأمنية. فالكثير من القضايا التي تم كشفها في تلك المرحلة جاءت نتيجة ثقة المواطنين برجال البحث الجنائي، وإيمانهم بأن هناك قيادة أمنية جادة تتعامل مع البلاغات بجدية ومسؤولية.

لكن التحولات السياسية والعسكرية التي شهدتها البلاد عقب اجتياح مليشيا الحوثي للعاصمة صنعاء شكّلت نقطة مفصلية في مسيرة الرجل.

ومع تمدد نفوذ المليشيا داخل المؤسسات الأمنية، وفرض عناصر ومشرفين لا يمتلكون أي تأهيل مهني، وجد كثير من الضباط أنفسهم أمام واقع جديد يهدد مفهوم الدولة ومؤسساتها.

وفي تلك اللحظة، اتخذ العميد عبدالكريم لمروق موقفه الواضح، وغادر العاصمة متجهًا إلى مسقط رأسه في محافظة شبوة، حيث انخرط في مقاومة مليشيا الحوثي والمشاركة في الدفاع عن المحافظة ضمن الجهود الرامية إلى استعادة مؤسسات الدولة وحماية المجتمع من الفوضى والانهيار.

ولم يكن انتقاله إلى شبوة مجرد عودة جغرافية، بل بداية لمرحلة جديدة من العمل الأمني والعسكري، امتزجت فيها الخبرة الأمنية بروح المواجهة الوطنية. وبعد تحرير المحافظة، جرى تعيينه مديرًا للبحث الجنائي بمحافظة شبوة، ليبدأ فصلًا جديدًا من الحضور الأمني اللافت، الذي انعكس بشكل مباشر على مستوى الأداء والاستجابة الأمنية داخل المحافظة.

ومنذ توليه إدارة البحث الجنائي، شهدت شبوة سلسلة من النجاحات الأمنية المتواصلة، جعلت الإدارة تحظى بإشادة واسعة من المواطنين والناشطين والوجهاء الاجتماعيين.

فقد نجحت فرق البحث الجنائي في ضبط العديد من المطلوبين والمتورطين في جرائم مختلفة، وكشف ملابسات قضايا معقدة خلال فترات زمنية قياسية، رغم محدودية الإمكانيات والظروف الصعبة التي تمر بها البلاد.

وفي أحدث تلك النجاحات، تمكنت إدارة البحث الجنائي بمدينة عتق من ضبط المتورطين في جريمتي سرقة سيارة وإحراق قاطرة خلال ساعات قليلة فقط من وقوع الجريمتين، في عملية عكست مستوى الجاهزية العالية والاحترافية التي تعمل بها فرق التحري والمتابعة.

ولم يقتصر الأمر على ضبط المتهمين فحسب، بل شمل استعادة السيارة المسروقة، وكشف هوية بقية المتورطين، وإيداعهم السجن، وفتح ملفات جنائية بحقهم تمهيدًا لاستكمال الإجراءات القانونية اللازمة.

هذه النجاحات المتكررة لم تأتِ من فراغ، بل كانت نتيجة إدارة ميدانية تعتمد على المتابعة الدقيقة، والانضباط، والعمل بروح الفريق الواحد.

فالعاملون في البحث الجنائي بشبوة باتوا يتحركون بعقلية مختلفة، تقوم على سرعة الاستجابة، والانتشار الميداني، واستخدام الخبرة التراكمية في تعقب الجناة وكشف ملابسات الجرائم، وهو ما انعكس بشكل مباشر على حالة الأمن والاستقرار داخل المحافظة.

اليوم، لم يعد اسم العميد عبدالكريم لمروق مجرد اسم مسؤول أمني يؤدي مهامًا إدارية، بل أصبح مرتبطًا لدى كثير من أبناء شبوة بصورة رجل الأمن القريب من الناس، الحاضر في الميدان، والمؤمن بأن نجاح المؤسسة الأمنية يبدأ من احترام المواطن وحماية حقوقه.

وفي زمن تتآكل فيه ثقة المجتمعات بمؤسسات كثيرة، تبدو مثل هذه النماذج قادرة على إعادة بناء جزء من تلك الثقة، وإثبات أن الإخلاص والكفاءة لا يزالان قادرين على صناعة الفارق.

وربما تكمن أهمية هذه التجربة في أنها تؤكد حقيقة بسيطة لكنها عميقة؛ وهي أن الأمن لا يُصنع بالإمكانات وحدها، بل يُصنع أولًا برجال يمتلكون الإرادة والشجاعة والانتماء الحقيقي للوطن.

وهذا ما جعل البحث الجنائي في شبوة يتحول، خلال السنوات الأخيرة، إلى نموذج أمني حاضر بقوة في المشهد، وعنوانٍ لنجاحات تتجاوز حدود العمل التقليدي، نحو صناعة حالة من الطمأنينة والاستقرار يحتاجها المجتمع اليوم أكثر من أي وقت مضى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى