كتابات و اراء

سقط الجميع وبقي الرئيس العليمي ثابتًا في صف الدولة

قيس المعافري

ستبقى أزمة حضرموت حدثًا طويل الذكر، ليس لأنها أزمة حقيقية فحسب، بل لأنها كانت مرآة كاشفة فضحت من يعمل بروح الدولة ومن يعمل بروح الفصيل، من يحمي رمزيتها ومن يستهلكها في معاركه الخاصة.

وفي هذه المرآة ظهر العليمي كالرجل الوحيد الذي ظل واقفًا في المكان الصحيح… مكان الدولة.

في ذروة الأزمة، ومع ما رافقها من توتر سياسي وأمني غير مسبوق، انكشفت الفوارق الحقيقية بين من يرى في الدولة مسؤولية وطنية، ومن يتعامل معها كفرصة للاستثمار السياسي. لقد وضعت هذه اللحظة كل أعضاء مجلس القيادة الرئاسي أمام اختبار صعب كشف مستوى النضج السياسي والولاء الوطني، لكن النتيجة لم تكن متساوية.

فبينما انشغل بعض أعضاء المجلس بتصعيد الأزمة وإضفاء شرعية على التوتر القائم، وتوظيف الأحداث لخدمة أجنداتهم الخاصة، اتخذ فخامة رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي مسارًا مختلفًا تمامًا؛ مسار الحكمة ومسؤولية الدولة، والبحث عن الحل لا عن المكاسب.

لم يتورط الرجل في المزايدات، ولم يقع في فخ اللحظة، بل وقف عند خط الدولة وحدود المسؤولية. حرص منذ البداية على ألا تتحول الأزمة إلى تمزيق داخلي أو صدام مجتمعي، ورفض أن تُستغل حضرموت كمسرح لتجاذبات سياسية أو عسكرية.

في الجانب الآخر، أظهرت مواقف بعض أعضاء المجلس ميلًا واضحًا إلى شرعنة الأزمة بدلًا من نزع فتيلها، سواء عبر التصريحات المتسرعة أو الاصطفافات غير المحسوبة، أو الرسائل التي أوحت بأن ما يجري صراع طبيعي لا خطورة فيه، رغم أنه يهدد واحدة من أهم المحافظات الاستراتيجية في اليمن.

أما العليمي فسعى بصمت وهدوء إلى احتواء الأزمة من الداخل. فتح قنوات تواصل هادئة بعيدًا عن الضجيج، حافظ على رمزية الدولة من الانقسام، منع الانزلاق نحو مواجهة كانت قادرة على إحراق حضرموت بالكامل، وحمى وحدة القرار وعقلانية الموقف. اختار الطريق الأصعب، لكنه الطريق الصحيح: حل الأزمة لا إدارتها، وإنهاؤها لا تغذيتها.

كان البعض يتساءل: لماذا يصمت الرئيس العليمي؟

لكن ذلك الصمت لم يكن هروبًا ولا ترددًا، بل حكمة رجل يدرك أن كلمة غير محسوبة قد تشعل شرارة لا يمكن إطفاؤها.

وبينما كان بعض الشركاء يشعلون المشهد بتصريحات حادة، أو خطوات انفعالية، أو تلميحات عابرة، كان العليمي يبني جسرًا للتهدئة، ويحافظ على أطراف الأزمة داخل إطار الدولة لا خارجها.

أثبتت الأزمة أن السياسة ليست مقاعد ولا مناصب، بل هي القدرة على اتخاذ القرار الصعب في اللحظة الأصعب، وأن اليمن اليوم بحاجة إلى رجال دولة، لا إلى سياسيين يقرؤون المشهد بعيون المكاسب أو النفوذ.

وفي هذا المشهد برز الرئيس العليمي كرجل صادق مع شعبه، مسؤول في قراراته، حكيم في إدارته، صابر أمام الضغوط والمزايدات. لقد اختار أن يحمي ما تبقى من رمزية الدولة، حتى حين حاول البعض استخدام الدولة كأداة في صراعاتهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى