
أعلى مراتب الجودة هو ما أورده النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث النبوي الشريف “أعْطُوا الأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ” وما دون ذلك هو إضافات وزوائد. امتلأت مواقع الجامعات في وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأسابيع الماضية بأخبار الجودة في الجامعات وأسابيع الجودة المتعددة التي تزين للناس كثيرا من الثانويات ويخفون الفرائض. شاهدت مصطلحات غريبة تظهر لأول مرة مثل: ثورة بركانية في الجودة وبراكين من الجودة، ودعوات لتوطين البحث العلمي وعجائب كثيرة. الشيء العجيب هو أنني اكتشفت ان كل هذه الفعاليات خلال الأسابيع الماضية كانت بإشراف مباشر وتوجيهات من مجلس الاعتماد الأكاديمي في عدن وعملوا تقييم نهائي وإعلان فائزين لأفضل “أسبوع جودة” بكل الجامعات. ونخشى من اعتقاد المجلس ان إقامة الجودة هي احياء هذه الفعاليات ويكفي.
الجودة في التدريس تأتي من توفير الحد الأدنى من الأجور التي تجعل المدرس يقوم بواجبه بأمانة ولا يحتاج لأحد.. والجودة في نماذج الاختبارات تأتي من دفع أجور مجزية لكل نموذج امتحان ثم بعد ذلك اشترط ما تريد. والجودة في العملية الامتحانية تتم من خلال توفير لجان اشراف ومراقبة بأجور كافية حتى يستطيعوا ضبط العملية الامتحانية ومنع الغش. والجودة في التعليم تأتي من الالتزام الصارم باللوائح الأكاديمية
الجودة في العملية التعليمية هي أن توظف رئيس قسم علمي بدوام كامل يشرف على العملية التعليمية والمعامل والمدرسين ويطبق اللوائح ويسير النظام التعليمي وليس تعيين دكتور بالاسم فقط امام الوزارة وبدون دوام، او على الغالب بدوام يوم او يومين بالأسبوع. هناك رؤساء أقسام في تخصصات نادرة يكون مسجل رئيس قسم في جامعة في ذمار وأخرى في اب وثالثة في الحوبان بالإضافة الى جامعتين في مدينة تعز، واللجان حق الوزارة ولا قدرت تكتشفهم مرة بعد مرة. ترى رئيس قسم موقع عقد حقيقي بدوام يوم واحد فقط ويضاف له رئيس نفس القسم في الماجستير، وما فيش أحد فكر من اللجان الوزارية يعمل ملف اكسل وكتب أسماء الدكاترة والمدرسين ويطلع التشابه.
الجودة تموت عندما تُعطِي الجامعات أجور الساعة الدراسية لحملة الدكتوراه مبلغ 3500 ريال يمني قعيطي (2 دولار أمريكي) وقد تزيد قليلا عند البعض، ثم تذهب تتفاخر انها وصفت المقررات على آخر طراز. والجودة تنتحر عندما تعطي الجامعات للمعيد بالمعمل مبلغ 1800 ريال يمني بالساعة (1 دولار) وتريده أن يبدع… في الشهر الماضي عندما استلم دكاترة الجامعات الحكومية راتبين بأسبوع واحد، قال لي أحد الزملاء – بغير قصد – انه يومها اشترى معه “دجاجة مشوية” لأولاده وكانت يوما استثنائيا للأسرة، لأنها أول مرة منذ 5 أشهر، حسب قوله. فكيف سيبدع ويجود التعليم جائع، وكيف سيستجيب لمتطلبات الجودة الذي أولاده جياع، والذي اذا مرض لا يجد قيمة العلاج.
نكثر التنظير والندوات في مواصفات “نموذج الامتحانات المثالي” ونحن نطلب من دكاترة المقررات أن يجهزوا نماذج بدون أي مقابل مادي، والجامعة المحترمة تعطي 1000 ريال قعيطي للنموذج. دائما نقول في أروقة اجتماعات الجامعات انه لا يمكن أن تلزم شخصا بجودة “نموذج الامتحان” وانت لا تعطيه أي مقابل لذلك.. ولذلك لو جلست أشرح لكم كوارث النماذج المكررة لامتلأ الدفتر وفاض من الكلام والقصص المؤلمة التي تطعن التعليم في رئتيه.
نريد أن نضبط العملية الامتحانية ونجعلها ضمن مقاييس الجودة الدولية ونحن نعطي المشرف على القاعة الامتحانية مبلغ 1700 ريال قعيطي (1 دولار) من الصباح الى الظهر، والجامعة التي تعطي 2500 ريال تعتبر نفسها مبذرة جدا وتشكل لجان لتقليص المصروفات. قال لي أحد الزملاء في احدى الجامعات الخاصة انه أشرف على الامتحانات وانه كان كل يوم يسقط/ تسقط احدى المراقبين /ات على الأرض من الجوع، وقال: كانوا يبلغونا انه واحد دوخ، وانا أروح للبوفية مباشرة اشتري له اثنين سندوتشات وواحد عصير، لأنني أعرف مسبقا ما هو مرضهم؛ الجوع! والجوع كافر.. طبعا يشتري على حسابه الشخصي. هؤلاء المشرفون على الامتحانات هم خريجو جامعات وأوائل دفعهم لم يستطيعوا الحصول على عمل في ظل هذا الوضع المزري.
أما الجودة في البحث العلمي، فالتنظيرات ليس لها حدود في هذا المجال. تتسابق الجامعات، كل الجامعات، على التصنيفات الدولية بشتي أنواعها، وقليل جدا من يصرف أي مكافأة بسيطة لباحث بعد أن ينشر بحثا بمجلة محترمة او يسهل له جانبا من المتطلبات للبحث، وحتى الجامعات التي تتباهى بأنها تدعم البحث العلمي تصرف مبالغ لا تتجاوز 50 الف الى 70 الف ريال عن كل بحث بمحرك النشر اسكوبس، وأحيانا يحصل عليها الباحث بعد سنة متابعة. البحث العلمي ليس ترفا وليس تسلية أيها السادة، أي دكتور جامعي لا يواصل البحث العلمي لسنوات فهو في عداد الموتى، تموت المعلومات لديه ولا يعرف ما هو الجديد في التخصصات ويخلق نتيجة لذلك جيل مبتور عن التكنولوجيا وكل حديث. ولذلك اهتمت الجامعات الدولية بالبحث العلمي واعتبرته شرط سنوي لتجديد العقود مع الجميع وأعطته نصيب الأسد في التقييم والتصنيف.
من أين ستاتي الجودة، وأنت تجد عميد كلية الهندسة بشكل رسمي في 3 جامعات خاصة شخص واحد، كما نشاهده نحن، وفي الوزارة يسجلون لهم أسماء ناس خارج اليمن تحت مسميات عمداء كليات وأحيانا أسماء وهمية.. جامعات بدون رئيس لها ولا هيكل الا في الاوراق فقط، وجامعات معها 40 برنامج مفتوح بكالوريوس وماجستير وهي معينة 5 دكاترة بدوام 3 أيام بالأسبوع فقط.
ما هي الفائدة من التشديد على “توصيف المقررات” وقوالب التوصيف فيما الجامعات نفسها قد انتهكت اللوائح الأكاديمية حد النخاع ووصلت الى مرحلة انها تنجح الطلبة بعشرة مقررات بعد 3 امتحانات تكميلية متتالية بنفس العام. الجودة هي أن تنشر كل جامعة جداول الدراسة وجداول الاختبارات في موقعها الرسمي، ولكن نادرا ما تجد جامعة تفعل ذلك، مخافة أن الناس يمكن يكتشفوا الفضائح في مسميات المدرسين ودرجاتهم العلمية وتخصصاتهم الدقيقة. تتعامل الجامعات مع الجداول الدراسية بدرجة “سري للغاية” وتمنع خروجه للناس وأولياء الأمور، وهنا تعرف ان الجودة طعنت في الصدر.
لمجلس الاعتماد الأكاديمي: الجودة الحقيقية تكمن في تشكيل لجان متخصصة عندما تعتمدوا البرامج التخصصية، ولا ترسلوا واحد تخصصه تربية أو فنون يعتمد برامج الصيدلة والتغذية العلاجية ويوقع عليها وهو مغمض العينين ويتفاخر بذلك أمام الملأ. صدقوني نصيحة لكم ابدأوا بتطبيق الجودة من بوابة توحيد اللوائح الاكاديمية وتنفيذها بدقة وبعد ذلك انتقلوا للسنن والنوافل..
نصيحتي للجنة الوزارية الكبرى للتصنيف الوطني للجامعات: أي جامعة ما فيش معها هيكل أكاديمي مكتمل بتعيين شامل ابعدوها من التصنيف واكتبوا امام اسمها “غير مطابقة للمعايير”، وبعدها لن تقبل بالتصنيف الوطني سوى بين 5 – 6 جامعات فقط، وسيحترمكم الجميع.. ما هي الفائدة من تكرار زياراتكم السنوية لنفس الجامعات لتبحثوا كم يشغل كل طالب مساحة داخل جامعته وانتم تعرفون ان معظمها شقق سكنية، ومعايير لقياس المساحات الرياضية ونسبة التشجير بكل جامعة، الخ.
للجامعات وقياداتها: وجهوا الموارد للإنسان، والإنسان فقط، وعندما يشبع الانسان سوف تأتيكم بعد ذلك معايير الجودة مربطة ذليلة، ووقتها يمكنكم أن تتحكموا بالجودة وتتباهون بها.



