
في اليوم الذي يحتفل فيه العالم بطفولته، بألوانها وأحلامها وضحكاتها التي تملأ الشوارع الآمنة، يقف أطفال اليمن على الضفة الأخرى من النهر. هناك، حيث لا تعبر سوى مواكب الأحزان، ولا تُسمع إلا أصداء الأوجاع. في اليمن، أن تكون طفلاً يعني أن تولد حاملاً على كتفيك الصغيرين خطيئة الكبار، وأن تدفع من عمرك ودمك ثمناً لحربٍ لم تقررها، وأن تصبح رقماً في تقريرٍ دولي قد يُقرأ أو لا يُقرأ.
واقع الطفولة في اليمن ليست مجرد أرقام، وإن كانت الأرقام وحدها كفيلة بأن تصفع ضمير الإنسانية. إن خلف كل رقم، هناك حكاية لم تكتمل. هل تذكرون “همام الجرادي”؟ ذلك الطفل الذي أُطفئت شمعة حياته برصاصة غادرة في منطقة نشطون_المهرة، تلك المحافظة التي ظنناها بعيدة عن فوهات البنادق. دماؤه التي سالت في شارع_الأربعين لم تروِ أرضاً فحسب، بل روت قصة الظلم الذي بات يتجول في كل شبر من هذا الوطن، من صعدة إلى المهرة، دون استثناء.
إن مأساة همام_الجرادي ليست حادثة فردية، بل هي عنوان صارخ لفصل كامل من فصول الانتهاكات. فالتقارير الحقوقية، على الرغم من أهميتها، لكنها كثيراً ما تركز على ضحايا القصف والألغام وتجنيد الأطفال في جبهات القتال. لكن ماذا عن الجرائم الصامتة التي تحدث في الظل، وتكشف انهياراً أخلاقيًا أعمق؟ ماذا عن طفلة مثل “جنات السياغي”، التي صرخت طلباً للنجدة من وحشية التحرش، ليضيع صوتها في أروقة العدالة الصماء، وتتحول هي إلى ضحية مرتين: مرة للاعتداء، ومرة لخذلان المجتمع وملشنة النظـام القضائي؟؟
وماذا عن طفل مثل”مهند السعيدي”، الذي وجد نفسه في مواجهة استغلال بشع، وعندما دافع عن كرامته وطفولته، تحول من ضحية إلى متهم ينتظر سيف الإعدام من الجلاد؟ قصة مهند_السعيدي هي أقسى تجسيد لمأساة أطفالنا: حتى عندما يحاولون النجاة بأرواحهم، فإن ذات الأنظمة التي من المفترض أن تحميهم، تطاردهم بأحكام الموت. إنهم ضحايا حتى في دفاعهم عن أنفسهم..!
وأما الكارثة الكبرى التي لا تصدر ضجيجاً كالانفجارات. إنها كارثة الفقر الذي يدفع بآلاف الأطفال إلى سوق العمل القاسي. شوارع مدننا المكتظة بالبؤس تروي قصصاً عن “ذئاب بشرية” تستغل براءة هؤلاء الصغار. أطفالٌ كان من المفترض أن تكون حقائبهم ثقيلة بالكتب، أصبحت ظهورهم محنية تحت وطأة أعباء تفوق أعمارهم بسنوات. لقد تركوا فصولهم الدراسية ليبحثوا عن “لقمة حياة” لأسرة فقدت مُعيلها في هذه الحرب اللعينة.
ويبقى السؤال الصعب:
ماذا عن الحقوق الأساسية التي أصبحت ترفاً؟ التعليم الجيد حلمٌ بعيد المنال لأكثر من 3.7 مليون طفل حسب آخر التقارير الإنسانية، حيث تحولت الكثير من المدارس خاصة في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي إلى ثكنات عسكرية أو مراكز للتعبئة الأيديولوجية المتطرفة. أما الخدمات الصحية، فهي حكاية أخرى من حكايات الوجع. أجسادهم الصغيرة أصبحت مرتعاً للأمراض، وسوء التغذية يسرق من مستقبل الوطن عقوله وأجياله القادمة.
إن واقع الطفولة في اليمن هو المرآة لأزمتنا الأخلاقية والإنسانية. هو جرحٌ مفتوح في جسد أمة، ينزف كل يوم أحلاماً وبراءة ودماءً. من همّام في المهرة، وجنات في صنعاء، ومهند خلف القضبان، إلى أطفال تعز الذين تطاردهم القناصة، وأطفال الحديدة الذين يسيرون على طريق مزروع بالألغام، تتشابه المأساة وإن اختلفت تفاصيلها.
اليوم، ونحن نكتب عن واقع الطفولة في اليمن، لا نرتجي استجداء تعاطف العالم، بل إلى قرع جدران الخزان..؟! نطالب بأن تتوقف هذه الحرب فوراً. نطالب بالعدالة لكل طفل انتُهكت براءته. نطالب بأن يعود الأطفال إلى مدارسهم لا إلى جبهات القتال أو أسواق العمل. فليكن صوتنا صرخة في وجه هذا الصمت المطبق، لعلنا بذلك نوقظ ضميراً نائم، أو ننقذ حلماً، قبل أن يبتلع الظـلام ما تبقى من أطفـال اليمن.



