
لا أكثر فظاعةً من أن يُعَلَّبَ القرآن في قِنِّينات الخرافة، ويباع على أرصفة العقول في صناديقٍ من الخطاب الديني المُغَلَّف بالتقديس، وكذبةٍ على الله.
ولا شيء أبشع من أن يتخذ أحدهم من الآيات ستارًا لرغباته، ومن الجهل مطيَّةً إلى جيوب الناس، بعد أن عرف جيدًا كيف يضع المال بدلاً من الدين.
فجميع الدجالين يلهثون خلف الربح، ويُخضِعون الآيات والأحاديث وِفْقًا لِكيسِ النقود!
إنها السرقة الدينية في أبشع صورة، والمهزلة الكبرى في مسرح الوعي الجمعي.
هذا هو تسليع القرآن وبيعه في دكاكين ألسِنَتهم المخادعة، التي لا تعمل إلا في المجتمعات التي يغيب منها الوعي.
ولعَلَّ إعدام السؤال، وتعطيل العقل البشري، وحد التفكير، والتجنِّي على الفِكر الحر، وتتفيه العِلم، هي مرحلة سابقة للدجل، تمهِّد الطريق لهؤلاء المشعوذين، تعمل على تهييء جوًّا مناسبًا، وخلق بيئةً خصبةً لِزرعِ أفكارهم العقيمة.
نحن في الألفية الثالثة، وما زالت مجتمعاتنا غارقة في ظلام القرون الوسطى! فَفِي عصر الثورة الرقمية، وفي حين العالم يعيش مرحلة متقدمة من العِلم والمعرفة، نحن هنا نعبد الخرافة ونقدس الجهل، ونربي أجيالنا على ذلك، نرضعهم على الدغمائية، ونفطمهم على الوهم المُعَلَّب…
ثم نتساءل _ بكامل غرابتنا _ لماذا نحن في مؤخرة الركب، وأسفل الهرم؟! لماذا لا وجود لنا حتى على هامش التقدم العلمي والتكنولوجي؟!
فماذا نتوقع غير تذيُّل الهرم، طالما ما برحنا منغمسين في وحل التخلف وطين الظلام؟!
إن الأمة التي تهجر الطب لتشرب الماء المقروء عليه، وترفض العقل لتؤمن بخرافة الجن العاشق، وتنام على وسائدٍ من التمائم والزيوت والأوهام، ما هي إلا أمة عالة على باقي الأمم، ولن يقوم لها قائمة ما دام فيها دجال يُعبَد.
إنها أزمة الدجالين التي غيَّبت الحقيقة في أذهان الناس، واغتالت العقل العربي في مهده، جعلت مجتمعاتنا تمر بِمأزقٍ علميٍّ ومنهجيٍّ حاد.
ولقد نجح هؤلاء في فصل الروابط بين الأديان والعقل، فحولوا القرآن إلى سلعة وتمائم. لذا أصبحت الرقية الشرعية ممرًّا للخمول العقلي، والجهل ردائًا من زُهْدٍ مُلَفَّق.
تجار الغيب من يدعون أنهم يعالجون كل داء، من الاكتئاب إلى وساوس النفس، من العقم إلى تكسر الدم، ومن ضمور الأوعية الدموية إلى السرطان، وكل هذا بشيءٍ من كلام الله، وقنينة ماء بصق فيها، وبعض من زيف التمائم!
إنه اقتصاد الخرافة، وسوق الجهل، وإمبراطورية الدجالين، تجعل القرآن يباع بالجرام، وتسعَّر الآيات كالعقاقير في صيدلية العلم الإلهي، المنسوجة من أُمِّ خيالهم الكاذب! متهمين كل من لم يصدقهم بالكفر والإلحاد وما إلى ذلك، هكذا كوسيلة منهم لحماية خرافاتهم.
لقد عرفوا من أين تؤكل الكَتِف، من عاطفةٍ دينيةٍ تربت على الدغمائية التسليم المطلق لكل من يتكلم باسم الله ورسوله. استثمروا خوف الناس من الخوض في الدين، مستغلين طبيعة الناس الفكرية، وضعف مناعتهم العقلية.
نحن نعيش عصر الخرافة المؤممة باسم الله، إنها مأساة المجتمعات حين تخونها كَفَّة ميزان التفريق بين من يدعو إلى سبيل الله ومن يسرق باسم الله!
آن للعقول أن تتمرد على الجهل الجمعي، وطلاسم المشعوذين… فنلتحق بركب الأمم المتقدمة…
وآن لنا أن نقول: لا لِسَماسِرة اليقين، أباطرة الماء المقروء عليه، المحتالين إلى الأبد.



