جار الله عمر.. مهندس السياسة اليمنية التي أُجهِضت غدرًا قبل أن تنزل للتنفيذ
محمد النمر

من قرية نائية في أقصى الشمال الشرقي لمحافظة إب إلى صدارة المشهد السياسي اليمني خاض القيادي البارز في الحزب الاشتراكي اليمني وأحد مأسسه جار الله عمر تجربة ديمقراطية في الحياة السياسية اتسمت بالكثير من التحولات في قيادة النشاط الحزبي وفتحت آفاقًا عدة أرست المدامك الأولى للتعددية السياسية
ولد جار الله عمر عام 1942 في قرية كُهال بناحية مديرية النادرة شمال محافظة إب وتلقى تعليمه الأساسي في محافظة ذمار حامل القضاء كحلمٍ لتحقيقه بأن يكون قاضيًا قبل أن ينتقل مدفوعًا بشغفِ المعرفة إلى صنعاء التي كانت تغلي بالغضب الشعبي الصامت الذي يرزح تحت سطوة الإمامة ليكون عمر واحد من طلائع الطلبة المشاركين في أول حركًا تظاهريًا الذي سبق ثورة 26 من سبتمبر قبل تفجرها و الإطاحة بالإمام البدر قبل أن تمتد فاعلية الثورة التحرورية وتسجل تحريرًا أكتوبريًا ناصعًا في جنوب اليمن في ( 14 من أكتوبر) والتي تمكنت من إزاحة المستعمر البريطاني وعرفت آنذاك ” بالقومية العربية” والتي كان جار الله عمر جزءًا من نشاطها السياسي والثوري والفكري
و إلى حصار السبعين كان جار الله عمر من أبرز المساهمين في الدفاع عن الجمهورية مسجلا بطولاتٍ في أول لحظات صعوده إلى المشهد ليثب في المعركة السياسية الكبرى في الوحدة اليمنية بصيف 1990 والذي أسهم بترجمة أهميتها قبل أن تتداعى بخريف 94 وأكد على ضرورة بقاء اليمن موحدًا، مُطلقًا مصالحة شاملة تضمن توحيد الصفوف بكنف الواحدة الجامعة وهندس اللقاء المشترك لكل القوى السياسية المعارضة لممارسة نشاطها السياسي ضمن الاطار الديمقراطي محدثًا تحولاً ديناماتيكيًا غير مسار العمل السياسي باليمن من( الصراع إلى التنافس) تحقيق المصلحة الوطنية فيها هي من تثبت النموذج الأفضل لأي حزب
وتفاديًا للتناحر البيني الذي خلفته حرب 94 نجح جار الله عمر بتحويل التعددية السياسية إلى المعارضة كجهة رقابية على السلطة الحاكمة وأبدى نشاطًا سياسيًا وفكريًا مكنه من تغيير مفهوم النشاط الحزبي في البلد بعد أن فك عقد التجاذب التي كانت سائد في الأداء السياسي آنذاك وكرس حركاه في تغذية المجتمع و الأحزاب بحداثة التطور، والحقوق، والمواطنة، والحريات، والمدنية، وغرس القيم الديمقراطية وأتلف المفاهيم العقائدية المتطرفة وحارب الفساد بمجمله.
حظي جار الله عمر بقاعدة شعبية عريضة في الوسط السياسي اليمني والمدني ومختلف شرائح المجتمع ما مكّنه من الصعود بخطى متسارعة خاصة كونه يتميز بعقلية دبلوماسية وسياسية كانت تمثل مرجعًا هامًا لكل القوى السياسية الذي أخرجها من الحقبة الامامية والإستعمارية المستبدة الظالمة إلى أُفق الحرية
وفي دعوته عام 2002 الثامن والعشرين من سبتمبر لرص الصفوف للعمل من أجل النهوض باليمن بعد ردحًا من الزمن الذي نجح خلاله بتشكيل صيغة جديدة للبيئة السياسية اليمنية دعا فيها كل القوى السياسية للعمل معًا من اجل المكافحة للبدء في صناعة حضارة يمنية تقدمية وقبل أن يكمل رؤيته التنورية لنقل البلد إلى موقعٍ مستقر، سكنت طلقات الرصاص في صدره قبل أن يكمل كلمته في أحد المؤتمرات السياسية بصنعاء، في جريمة اغتيال وصفت بأنها جريمة أراد الجاني فيها اغتيال الحلم الوطني لليمنيين مع الداعي إليه، فالرصاص التي اخترقت جسده أجهزت على الأهداف التي دعا لتحقيقه عمر بشراكة الجميع قبل أن تنزل إلى ميدان التنفيذ!
لكن 30 ألف شخصًا ممن رفعوا جثمان القيادي البارز في التاريخ السياسي اليمني الذي اجمع على محبته وهم يحملونه على أكفهم في موكبٍ جنائزيٍ غير مسبوق كان كفيلا بإن يفشل رغبة الجاني، بعد أن شاركت سيول بشرية في يوم رحيله وعُدت جريمة اغتياله هي اغتيال للمشروع الجمهوري و الوطني الذي كانت تنشده البلد و الذي ارساهُ المؤسس عمر وتضمد به الشعب إلى يومنا هذا.



