
لا يمكن أن نبني دولة مدنية حديثة عادلة، طالما معايير القبيلة هي الثقافة السائدة في البلاد، والوعي الجمعي لا يزال غارقًا في مستنقعات التفاضل بين الناس، بين من يعلو ومن يستصغر، بين أسيادٍ وعبيد…
إن تفصيل الشعوب وفق مقاسات القبيلة، وإعادة ترتيبها حسب مزاج التمييز الطبقي (قبيليًّا _ مُزَيِّنًا _ دوشانًا _ جزارًا _ خضريًّا _ خادمًا… إلخ) ليس إلا حياكة عباءات أنثروبولوجية متفاوتة الجودة، أو بالأصح، إنه عملية تفكيك جائرة للمجتمعات.
هذه العنصرية لا تعود بالنفع على الدولة بِأيِّ شكلٍ من الأشكال، فهي لا تخدم إلا فكرة المليشيا السلالية وأجندتها، إنها أداة لتعزيز نفوذها وتوسيع هيمنتها على حساب الجميع، في الوقت الذي تزرع في نفوسهم خرافة التفوق العائلي.
نحن ضد النظرة الاصطفائية والاستعلائية التي تجعل من أسرةٍ أو قبيلة معينة، أعلى أو أقل شأنًا، وضد اعتبار الزواج بين أسرتين مختلفتين يمثل إهانةً أو تقليلاً من قدر أي طرف.
فكل محاولات فرض التمييز الاجتماعي القبلي هي سراب يعطل الدولة ووأد للعدالة والإنصاف.
ولكن المفارقة العجيبة أن ترى الجميع يطالب بالعدل والمساواة، ومع ذلك يتمسكون بالعادات القبلية حد الموت، بل إنهم يعتبرون المساس بها ضربًا من الإثم، فهي مسلمات راسخة في حياتهم!
إنهم مستعدون في أي وقت حتى على التخلي عن أبنائهم في مقابل الالتزام بها، لأنها بالنسبة لهم المعيار الذي يقاس به شرف الرجال.
إن احتقار شريحة ما من المجتمع ورفع أخرى على أساس لقب أو مهنة، كارثة إنسانية بكل المقاييس. ولعل تقسيم المجتمع الواحد إلى طبقات عليا ودنيا أشد خطرًا وضررًا من أي اتفاقية سياسية، حتى من اتفاقية سايكس بيكو.
لا تبنى الأوطان على التمييز والانتقاص، لكنها تبنى بالعدل والمساواة.
لذا لن يكون لنا دولة حديثة والوعي الجمعي في بلادنا ما يزال سجينًا لفكر تراتبية البشر، لم يبرأ بعد من خرافة العلو والدنو… هذه الخرافة التي جعلت الشعب مسكونًا بفكرة التفاضل.
إن التراتبية الاجتماعية ما هي إلا انتماءات صغيرة تتنامى على حساب الهويات الكبرى من دولٍ ومماليك، إنها انغلاق الهوية الجمعية مقابل التحرر الفردي والعقلاني في المجتمعات الحديثة.
إن هذه الصفات المعلبة والمسميات الجاهزة ما هي إلا وسائل محنطة للتصنيف واحتقار الناس لمجرد مهنهم مهما كانت شريفة ومشروعة.
وكأنهم يسعون لفرض إرادتهم على الآخرين، متجاوزين حرية الطرف الآخر وهم يتسللون إلى تفاصيل حياته اليومية دونما خجل.!
فهذا عُهْرٌ أخلاقي أكثر فُحشًا من زنا المحارم، وانحلالٌ انسانيٌّ أشد فضاعةً من قهقهات الخطايا عند الثلث الأخير من الليل، وانحطاط أخلاقي بكل ما تحمله الكلمة من معاني الانحدار.
هي حماقة كبرى أن نَزِنَ البشر بميازين طبقية عرجاء، أن نحكم على الناس وفق معايير قبلية جائرة، جاهلية، متخلفة بحتة…
إنه هراء فادح، وخيانة للعقل والضمير، وتدنيس صارخ للكرامة الإنسانية.. أن نعامل الأشخاص حسب الألقاب والمهن، راميين بقيمه الأخلاقية، والإنسانية، عرض حائط الوجود البشري، تاركين قيمته الخدمية، والعلمية، والفكرية، والثقافية وراء ظَهْرَ الأهمية…!
إن هذه النظرية الطبقية، تضع فجوة عميقة في أواصر المجتمعات المدنية، وتزرع شرخًا عميقًا في جمجمة الشعب الواحد كصداع شقيقة لا تفيده المسكنات.
يجب أن يكون هناك حل جذري يعيد الإنسان إلى مكانه الطبيعي، في المكان الذي تقاس قيمته بما يقدمه للبشرية، دونما أخذ الألقاب بعين الإعتبار، وأن تهدم كل أسوار الطبقية التي تمزق النسيج الاجتماعي وتؤد العدالة.



