اخبار وتقارير

الوهم الكبير: من “ثورة المظلومين” إلى “ماكينة الفوضى”.. كيف ابتلع الحوثي اليمن والبحر الأحمر معًا؟

تيار نيوز –تقرير خاص

في دهاليز السياسة الدولية، قلّما تتجسد المفارقات كما تتجسد في قصة الحوثيين ما بدأ كاحتجاج محلي محدود في صعدة باسم “المظلومية الزيدية”، تحوّل إلى كيان عابر للحدود، يتلاعب بمفاتيح البحر الأحمر، ويعيد رسم خرائط النفوذ الإقليمي من قلب أفقر بلد عربي.
التقرير الأممي الأخير لفريق الخبراء التابع لمجلس الأمن الدولي (S/2025/650)، الصادر في أكتوبر 2025، لم يكن تقريرًا تقنيًا باردًا، بل صفعة على وجه العالم المتواطئ.

فقد كشف، بجرأة غير معتادة، عن الوجه الحقيقي لجماعة تتحدث بلغة الثورة وتمارس منطق الإمبراطورية، وتدّعي مقاومة الاستكبار بينما تغرق بلدًا بأكمله في أتون الاستبداد والفوضى.
لقد تجاوز الحوثيون حدود كونهم “فاعلاً محليًا” ليصبحوا عقدةً جيوسياسية في معادلة الأمن البحري الدولي، مستغلين هشاشة النظام العالمي وتناقضاته. إنها القصة الكلاسيكية لتحوّل الثورة إلى مشروع هيمنة، وكيف يمكن لشعار “الموت لأمريكا” أن يتحول إلى بطاقة دخول في نادي صناع الفوضى العالمية.

اقتصاد الحرب وعبثية الحظر — تدفق السلاح في زمن العقوبات

1. شبكات التهريب: شرايين ماكينة الحرب

يؤكد التقرير أن تدفق الأسلحة إلى الحوثيين لم يتوقف رغم قرارات الحظر الأممية. بل العكس، أصبحت شبكات التهريب أكثر تطورًا وجرأة، تعمل كمنظومة موازية للاقتصاد الرسمي.
المكونات العسكرية، من قطع الصواريخ إلى أنظمة الطائرات المسيّرة، تُنقل عبر طرق بحرية وبرية متعددة، بعضها يمر من مناطق تحت سيطرة الحكومة الشرعية نفسها. هذا ما يكشف عن ثغرات أمنية ضخمة، وربما تواطؤًا مقنّعًا.
لقد تحول اليمن، حسب التقرير، إلى عقدة في شبكة تهريب إقليمية، تربط إيران بالقرن الإفريقي، وتجعل من الحظر الدولي مجرد شعار بروتوكولي يتلى في جلسات مجلس الأمن دون أثر على الأرض.

2. التمويل الذاتي: من خطاب المظلومية إلى صناعة الأرباح

في ظل الحصار والعقوبات، ابتكر الحوثيون اقتصادًا خاصًا بهم. اقتصاد حرب يعتمد على الجبايات، واحتكار الوقود، ونهب المؤسسات، وفرض الضرائب على كل شيء من البقالات الصغيرة إلى شركات الاتصالات العملاقة.
هذه الشبكة المالية غير الرسمية، القائمة على نظام “الحوالة” والنقد المباشر، جعلت الجماعة عصيّة على الأدوات التقليدية للعقوبات. فكل ريال يُجبى من المواطن يتحول إلى رصاصة في الجبهة أو طائرة مسيّرة في الجو.
لقد تحوّل شعار “نصرة المظلوم” إلى وسيلة لتمويل آلة الحرب، وتحول الفقر إلى عملة تداول داخل منظومة سلطوية لا ترى في الجوع مأساة، بل استثمارًا مستدامًا.

3. العقوبات الفاشلة: الردع الذي تحوّل إلى نكتة

على الورق، تبدو العقوبات الدولية صارمة؛ لكنها في الواقع مجرد لافتة سياسية بلا فاعلية.
فالتقرير يشير بوضوح إلى أن الحوثيين نجحوا في الالتفاف على كل أشكال الحظر المالي، باستخدام واجهات وشركات وهمية. أصولهم لا تُجمد، وحركتهم لا تُقيد، لأنهم ببساطة لا يعملون داخل النظام المصرفي الرسمي.
بل إن المفارقة، كما يلمح التقرير، أن العقوبات منحتهم “شرعية الضحية”، فاستغلوها لتعزيز خطاب المظلومية أمام جمهورهم المحلي. وهكذا، تحول الردع إلى مكافأة رمزية، والعقوبات إلى مادة للسخرية في خطاب الجماعة الدعائي.

 تحدي البحار — من “نصرة غزة” إلى قرصنة العالم

1. البحر الأحمر.. من شعار المقاومة إلى منصة الابتزاز

استغل الحوثيون الحرب في غزة كذريعة لفتح جبهة بحرية ضد العالم. لكن التقرير الأممي يفكك هذه الرواية بوضوح: معظم السفن المستهدفة لم تكن إسرائيلية ولا حتى مرتبطة بها.
الهدف الحقيقي، كما يوضح التقرير، هو تحويل البحر الأحمر إلى منطقة نفوذ عسكري واقتصادي تخضع لابتزاز الجماعة. لقد أصبحت الهجمات البحرية أداة سياسية تدر أرباحًا استراتيجية: رفع تكاليف الشحن، وزعزعة ثقة الأسواق، وإجبار القوى الكبرى على التفاوض معهم كـ”طرف لا يمكن تجاهله”.
بهذه الطريقة، أعاد الحوثيون تعريف “القرصنة” في القرن الحادي والعشرين — لا لأجل المال فقط، بل لأجل النفوذ والمشهد الإعلامي.

2. الضربات الغربية: قصف يُضعف البنية ويقوّي السردية

في مواجهة هذا التصعيد، نفذت الولايات المتحدة وحلفاؤها عشرات الضربات الجوية على مواقع الحوثيين في الحديدة وصنعاء.
لكن النتائج، كما يذكر التقرير، كانت محدودة التأثير. صحيح أن بعض المنصات العسكرية دُمرت، لكن القدرات النوعية للجماعة بقيت سليمة، بفضل قدرتها على إعادة التجميع السريع والتصنيع المحلي.
بل الأكثر غرابة، أن هذه الضربات عززت خطاب الجماعة الداخلي القائم على “المظلومية والمقاومة”، فصار كل صاروخ يسقط على صنعاء يُترجم إلى مزيد من الولاء للحوثي، ومزيد من الصمت من المجتمع الدولي.

3. تحالفات الظل: شراكات ما تحت الطاولة

يكشف التقرير عن تنسيق متزايد بين الحوثيين وتنظيمات إقليمية أخرى، بعضها مصنف إرهابيًا.
هناك أدلة على تبادل تقنيات وتدريبات مع عناصر من “حركة الشباب” الصومالية، فضلًا عن تعاون لوجستي مع أطراف في إيران ولبنان.
هذه التحالفات غير المعلنة تجعل من الحوثيين جزءًا من منظومة إقليمية أوسع، هدفها زعزعة استقرار الممرات البحرية في القرن الإفريقي. إنهم لم يعودوا “متمردين” فحسب، بل عقدة في مشروع “اللااستقرار” الممتد من طهران إلى باب المندب.

 الاستبداد الداخلي — كيف سحق الحوثيون ما تبقى من اليمنيين

1. تدمير الحيز المدني: القضاء على صوت المواطن

في الداخل، يمارس الحوثيون استبدادًا ممنهجًا. التقرير يوثق حالات اختطاف واعتقال لمحامين وصحفيين وناشطين، في مشهد يذكر بأن الجماعة تخاف الكلمة أكثر مما تخاف القنبلة.
قضية المحامي عبد المجيد صبره، الذي اختُطف بسبب دفاعه عن معتقلين سياسيين، ليست استثناءً، بل قاعدة.
لقد تحوّلت المحاكم إلى أدوات إذلال، والمنظمات الحقوقية إلى أهداف أمنية، والإعلام إلى آلة ترويج للزعيم.
الحوثي، ببساطة، استبدل دولة القانون بـ“ولاية الخوف”.

2. تجنيد الأطفال: الطفولة كذخيرة

التقرير يصف الظاهرة بأقسى العبارات: “جريمة جماعية مستمرة”.
يتم تجنيد آلاف الأطفال عبر المدارس والمخيمات الصيفية، حيث يتلقون تعليمًا عقائديًا ممزوجًا بالتعبئة العسكرية.
الفقر والجوع يُستخدمان كسلاح لتجنيدهم: “أرسل ابنك للجبهة، نُعطِك سلة غذائية.”
بهذا الأسلوب، تُسرق الطفولة وتُستثمر المأساة، ويُربى جيل جديد يرى في الحرب قدرًا إلهيًا لا خيارًا سياسيًا.

3. الإخفاء القسري والتعذيب: السيطرة بالخوف

من لا يُجند يخطف ومن يعارض يعذب.
التقرير يوثق آلاف حالات الإخفاء القسري والتعذيب الجسدي والنفسي في السجون الحوثية، بما فيها منشآت سرية داخل مقرات حكومية سابقة.
الجماعة تتعامل مع المجتمع بمنطق “العدو الداخلي”، وتستخدم التعذيب كأداة لإنتاج الطاعة.
إنها لا تسعى لتأديب الخصوم، بل لكسر الروح العامة، حتى يصبح الصمت هو اللغة الرسمية للشعب.

المأزق الإنساني — حين تتحول المعاناة إلى سلعة سياسية

1. تقييد المساعدات: تجويع تحت شعار السيادة

يوثق التقرير استمرار الحوثيين في تقييد وصول المساعدات الإنسانية، وفرض رسوم وإتاوات على المنظمات الدولية.
المساعدات لا توزع بناءً على الحاجة، بل على الولاء. قوائم المستفيدين تعد في مكاتب المخابرات، وشاحنات الإغاثة لا تمر إلا بعد دفع “الخُمس”.
لقد حوّل الحوثيون المساعدات إلى أداة نفوذ سياسي، وشريان حياةٍ يتحكمون في فتحه أو خنقه وفق مصالحهم.

2. الانقسام الاقتصادي: دولة بعملتين

الاقتصاد اليمني يعيش انقسامًا حادًا بين صنعاء وعدن.
في مناطق الحوثيين، الريال ينهار إلى مستويات غير مسبوقة، بينما يعيش المواطن بين أسعار متفجرة وخدمات منهارة.
التقرير يؤكد أن الجماعة تستغل هذا الانقسام لتمويل مجهودها الحربي، فيما يظل المواطن مجرد ضحية لسياسة نقدية هدفها الأول هو البقاء في السلطة.
النتيجة: جوع بلا حدود، وفساد بلا سقف.

3. الجهل الداخلي حين يصبح الانغلاق سياسة دولة

يتحدث التقرير عن أخطر أنواع الاستبداد: الاستبداد المعرفي.
الجماعة تعيد صياغة المناهج الدراسية والإعلام والخطاب الديني لتغذية جيل لا يعرف سوى روايتها للعالم.
بهذا، يصبح الجهل أداة حكم، والعزلة الثقافية ضمانة لبقاء السلطة.
لقد نجحت الجماعة في تحويل “الجهل” من نتيجة إلى استراتيجية، ومن مأساة إلى سلاح سياسي طويل الأمد.

 هل الماكينة تحتاج إلى قطع غيار جديدة؟

بعد كل ما كشفه التقرير الأممي، وبعد كل هذه الجرائم والانتهاكات، يظل العالم يتصرف وكأن الحوثيين مجرد “مشكلة محلية” قابلة للاحتواء.
لكن الحقيقة أبسط وأكثر فجاجة: نحن أمام ماكينة فوضى تعمل بكفاءة مرعبة، كلما ضُربت، ازدادت إنتاجًا.
هل يظن المجتمع الدولي حقًا أن “تجميد أصول” أو “حظر سفر” سيوقف هذه الآلة؟
هل يمكن لبيان إدانة أن يعيد البحر الأحمر إلى أمانه؟

الواقع أن الحوثيين لا يعيشون على الأزمات… بل منها.
كل عقوبة تُصبح حافزًا، وكل حصار يُولّد اقتصادًا موازياً، وكل ضربة جوية تخلق بطلاً دعائيًا جديدًا في خطاب “المظلومية المقدسة”.
السؤال الساخر يبقى معلقًا: هل نحن ننتظر توقف الماكينة، أم أننا ببساطة نزوّدها يوميًا بقطع الغيار اللازمة؟

ربما المشكلة ليست في الماكينة نفسها، بل في “المهندس” الذي يشغّلها، وفي العالم الذي يكتفي بمشاهدة الدخان وهو يملأ الأفق.
وحين تبتلع أمواج البحر الأحمر صرخة المظلوم الأخيرة، سيكون الوقت قد تأخر كثيرًا… على الجميع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى