
منذ مساء الخميس، 25 سبتمبر 2025، انضاف اسم جديد إلى قائمة طويلة من المختطفين والمغيبين قسراً في سجون جماعة الحوثي. لكن هذه المرة الأمر مختلف: لم يختطفوا صحفياً أو ناشطاً أو مواطناً عادياً، بل اختطفوا المحامي عبدالمجيد صبرة، الرجل الذي كرس حياته للدفاع عن هؤلاء جميعًا، والذي صار رمزاً للعدالة في بلدٍ تحولت فيه العدالة إلى تهمة.
اختطاف صبرة ليس حادثة عابرة يمكن تدوينها في الهامش، بل جريمة مزدوجة: جريمة بحق شخصه أولاً، وجريمة بحق الفكرة التي مثّلها لقد كان صوتاً صريحاً في مواجهة محاكم الحوثي الهزلية، الرجل الذي لم يساوم، الذي واجه الترهيب والتهديد والابتزاز، والذي وقف إلى جوار الصحفيين والمعتقلين حين تخلى الجميع.
الحوثيون، الذين يرفعون شعار القوة والصلابة، كشفوا أنهم أوهن من خيط عنكبوت أمام رجل أعزل لا يملك سوى لسانه وضميره إنهم يخافون من الكلمة أكثر من خوفهم من الرصاصة، ويرتجفون أمام محامٍ يضع مرافعته في وجوههم كمرآة.
فكلما فتح صبرة ملفاً، انكشفت أكاذيبهم، وكلما نطق بكلمة، سقطت ورقة التوت عن مسرحياتهم المسماة “محاكم”.
لقد أرادوا من اختطافه أن يبعثوا رسالة ترهيب: أن لا أحد في مأمن، لا الصحفي ولا المحامي ولا حتى المدافع عن القانون، لكن الرسالة التي وصلت للناس كانت عكس ذلك تماماً: أن هذه الجماعة تخاف من رجل واحد، وتخشى صوتاً واحداً، وتضطرب من مرآة صغيرة تكشف عريها.
لا يمكن قراءة هذه الجريمة بمعزل عن السياق العام. الحوثي لم يكتفِ بمصادرة السياسة والاقتصاد والمجتمع، بل ذهب إلى أبعد من ذلك: مصادرة الضمير. يريد أن يُسكت كل شاهد، ويُرهب كل مدافع، ويعزل كل من يحاول أن يضع كلمة “قانون” في مواجهة “السلاح”. إنها ليست مجرد سلطة انقلابية، بل مشروع قائم على الاختطاف ذاته: اختطاف الإنسان، اختطاف الحرية، اختطاف الوطن.
عبدالمجيد صبرة لم يكن بالنسبة لي محامي دفاع عابر أعرفه عن قرب، في لحظة ضعفٍ خلف القضبان. كان حضوره بالنسبة لنا في السجن أكبر من دور قانوني؛ كان صوته رسالة حياة حين كان يقف في قاعة المحكمة، لم يكن يخاطب القضاة وحدهم، بل كان يخاطبنا جميعاً، نحن الذين حُرمنا من الحرية. كان يقول لنا ضمنياً: “أنتم لستم وحدكم، هناك من يقاتل خارج هذه الجدران من أجلكم” لذلك، فإن اختطافه الآن طعنة شخصية، جرح مفتوح في ذاكرة كل من عرفوه.
ومع ذلك، دعوني أقولها بوضوح: لا الحوثيون ولا غيرهم يستطيعون اختطاف الفكرة التي جسدها صبرة الزنازين تُغيّب الجسد، لكنها لا تستطيع أن تُسجن الضمير هم يظنون أن اعتقاله سيخيف بقية المحامين والناشطين، لكن الحقيقة أن أثره سيتضاعف فكل طالب قانون، كل ناشط حقوقي، كل صحفي حر، يرى اليوم في اختطافه مسؤولية مضاعفة للاستمرار في معركته.
ما نحتاجه اليوم ليس بيانات إدانة باهتة تُكتب ثم تُنسى، ما نحتاجه هو غضب عام، يقظة جماعية، حملة ضاغطة لا تتوقف حتى يُفرج عنه.
اختطاف صبرة هو جرس إنذار: إذا صمتنا الآن، فغداً لن يبقى أحد يترافع عنا، ولن يبقى صوت يجرؤ على مواجهة الظلم. الصمت خيانة، والحياد جريمة.
إلى الحوثيين، أقول: أخطأتم التقدير ظننتم أنكم حين تُخفون عبدالمجيد ستُسكتونه، لكنكم في الحقيقة جعلتم اسمه أكثر حضوراً من أي وقت مضى ظننتم أنكم ستُنهونه، لكنكم جعلتموه خالداً في ذاكرة اليمنيين كرمز للشجاعة، أردتم أن تُطفئوا قنديله، لكنكم أشعلتم آلاف القناديل هذه ليست معركة رجل واحد، بل معركة جيل كامل ضد سلطة تريد تحويل البلاد إلى سجن كبير.
وإلى كل من يقرأ هذه الكلمات: لا تجعلوا عبدالمجيد صبرة رقماً جديداً في قائمة ضحايا الاختطاف. اجعلوه قضية رأي عام، صرخة حية، اسماً لا يختفي. لأن الدفاع عنه اليوم هو دفاع عن أنفسنا غداً.
في النهاية، سيخرج صبرة، عاجلاً أو آجلاً، وسيعود ليمارس دوره الذي اختاره بوعي وشجاعة لكن الحوثيين سيبقون في ذاكرة التاريخ مختطفين جبناء، خائفين من كلمة، مرتجفين أمام محامٍ.
وسيأتي اليوم الذي يقف فيه عبدالمجيد، أو من يحملون إرثه، ليكونوا شهوداً على محاكمتكم أنتم، حين تُدانون ليس فقط باختطاف رجل، بل باختطاف وطن بأكمله.



