بعد صنعاء.. هل يتعلم اليمنيون من درسٍ دفعوا ثمنه عشر سنوات من الدم والخراب؟
قيس المعافري

من يراقب المشهد اليوم سيكتشف أن لدينا معركتين في مسار واحد: معركة مع الحوثي، ومعركة مع الفكرة التي أوصلت اليمن إلى ما هو عليه. فالحوثي لم يسقط من السماء ولم يظهر فجأة، وإنما جاء نتيجة تراكم طويل من أخطاء الدولة، وصراع مراكز القوى، وإضعاف المؤسسات، وتحويل الجيش إلى ولاءات، والجمهورية إلى شعار أكثر منها مشروع دولة.
ولهذا فإن أكبر خطأ يمكن أن نقع فيه هو الاعتقاد أن دخول صنعاء يعني نهاية الأزمة. لكن الحقيقة أن تحرير صنعاء، متى ما تحقق، سيكون بداية معركة جديدة، وربما أكثر تعقيدًا من الحرب نفسها؛ لأن السؤال الذي سيطرح نفسه بقوة هو: أي دولة نريد؟ ومن سيحكم؟ وبأي مشروع سياسي؟
منذ انتهاء مؤتمر الحوار الوطني، انقسمنا حول شكل الدولة القادمة. لم يكن الخلاف على من سيحكم أو على شكل الحكومة، بل على مستقبل اليمن كله. هل تكون دولة اتحادية توزع السلطة والثروة وتنهي احتكار المركز؟ أم تعود البلاد إلى النظام القديم الذي جعل النفوذ والثروة بيد قلة، وأبقى بقية المحافظات مجرد هامش؟
ذلك الخلاف لم ينتهِ بعد، بل جمّدته الحرب. وهو من أبرز الأسباب التي أسهمت في سقوط الدولة بيد مليشيات الحوثي وصالح آنذاك. واليوم، ومع كل حديث عن استعادة صنعاء والجمهورية، يعود السؤال ذاته، ولكن بصورة أكثر خطورة.
إذا انتهى الحوثي، فهل ستنتصر الدولة؟ أم ستبدأ معركة جديدة ضد مشروع الدولة نفسه؟
المشكلة أن بعض القوى السياسية والعسكرية ترفع شعار الجمهورية، لكنها لا تتحدث كثيرًا عن الدولة الاتحادية، ولا عن تنفيذ مخرجات الحوار الوطني، ولا عن إعادة بناء المؤسسات على أسس جديدة. وهذا الصمت ليس تفصيلًا سياسيًا، بل مؤشر على أن الخلاف الحقيقي ما زال قائمًا، لكنه مؤجل إلى ما بعد التخلص من مليشيات الحوثي.
وهنا تكمن خطورة المرحلة القادمة، التي قد ترهقنا أكثر. فلسنا بحاجة إلى استبدال جماعة مسلحة بأخرى، ولا إلى نقل مركز النفوذ من صنعاء إلى مدينة أخرى، ولا إلى إعادة إنتاج التجربة التي أوصلت البلاد إلى الانهيار.
لقد جربنا حكم مراكز القوى لعقود، وكانت النتيجة جيشًا منقسمًا، ودولة ضعيفة، ومؤسسات عاجزة، وانقلابًا ابتلع العاصمة في أيام قليلة. فهل يُعقل أن نكرر التجربة نفسها ثم ننتظر نتيجة مختلفة؟
من يقرأ المشهد بهدوء سيلاحظ أن المعركة القادمة لن تكون بين الجمهورية والإمامة فقط، بل بين مشروع الدولة ومشروع النفوذ. مشروع يقول إن السلاح يجب أن يكون بيد الدولة وحدها، وإن الجيش مؤسسة وطنية، وإن القرار يصدر من العاصمة عبر مؤسساتها، وإن شكل الدولة اتحادي فيدرالي.
ومشروع آخر يرى أن القوة على الأرض هي مصدر الشرعية، وأن من يملك السلاح يملك حق فرض رؤيته، حتى وإن رفع علم الجمهورية، وأن المركزية لشكل الدولة هي الحل الأمثل.
ومن خلال قراءتنا للتاريخ، نجد أن كل قوة عسكرية تعمل خارج إطار الدولة تبدأ حليفًا، ثم تتحول مع الوقت إلى مركز نفوذ مستقل، ثم تدخل في صدام مع الدولة نفسها عندما تتعارض المصالح. وهذا ما حدث مرارًا في تاريخ اليمن.
ولهذا فإن الخوف اليوم ليس من الحوثي فقط، بل من تكرار الظروف التي صنعت الحوثي. فإذا لم تُعَد هيكلة المؤسسة العسكرية تحت قيادة وطنية واحدة، وإذا بقيت التشكيلات المسلحة تحت قيادات متعددة، وإذا استمر التعامل مع الجغرافيا باعتبارها مناطق نفوذ، فإن اليمن سيكون أمام أزمة جديدة، حتى لو رُفع علم الجمهورية فوق جبال مران.
ولهذا فإن معركة ما بعد صنعاء ستكون أخطر من معركة صنعاء نفسها. فإما أن ينتصر مشروع الدولة الذي توافق عليه اليمنيون، وتعود المؤسسات فوق الجميع، أو تنتصر مراكز القوى التقليدية مرة أخرى. وعندها لن يكون السؤال: من أسقط الدولة؟ بل: لماذا لم يتعلم اليمنيون من الدرس الذي دفعوا ثمنه عشر سنوات من الدم والخراب؟
لم نعد نحتمل نسخة جديدة من الأزمة، مهما اختلفت الأسماء أو تبدلت الرايات؛ فالانقلاب لا يُقاس بالشعار الذي يرفعه أصحابه، بل بطريقة إدارتهم للدولة.
لتكن معركتنا القادمة معركة تحرير اليمن من مليشيات الحوثي، ومعركة حماية مستقبل اليمن من العودة إلى الحلقة التي دخلها منذ عقود؛ حلقة إسقاط الدولة ثم البحث عنها من جديد.



