كتابات و اراء

الخطر الحقيقي على الشرعية لا يأتي من صنعاء فقط

قيس المعافري

اعتدنا، كشعب يمني، النظر إلى الحوثي باعتباره الخطر الأكبر والعدو الأول للدولة والشرعية، لكن التجارب أثبتت أن الدول لا تسقط فقط بفعل أعدائها، بل قد تسقط أيضاً عندما تنشأ داخلها قوى تتعامل مع نفسها باعتبارها أكبر من مؤسسات الدولة وأقوى من القانون.

إن جوهر معركتنا مع مليشيات الحوثي الإرهابية لم يكن يوماً صراعاً على المواقع أو المناصب، بل صراعاً بين مشروع الدولة ومشروع الولاية والكهنوت. ومعركتنا اليوم هي أيضاً بين مشروع الدولة ومشاريع النفوذ. وبينما يُفترض أن تتجه جميع القوى نحو تعزيز سلطة المؤسسات الشرعية، تظهر بين الحين والآخر ممارسات تعكس اتجاهاً معاكساً يقوم على تكريس مراكز قوة مستقلة عن القرار الوطني.

عندما تصبح التعيينات العسكرية تصدر بعيداً عن التسلسل الرسمي للدولة، وعندما تتحول بعض المناطق المحررة إلى ساحات نفوذ مغلقة لا تخضع عملياً للسلطات المحلية أو الوزارات المختصة، فإن السؤال المشروع يصبح: أين الدولة التي ضحّى اليمنيون من أجل استعادتها؟

المشكلة ليست في اسم هذا القائد أو ذاك، بل في النهج الذي يحاول فرض واقع سياسي وعسكري جديد على الأرض. فكل قوة تمتلك السلاح والمال والإدارة، وتسعى إلى إدارة منطقة خارج الإطار المؤسسي للدولة، تتحول مع الوقت إلى سلطة موازية مهما رفعت من شعارات وطنية.

إن المخا ليست جزيرة منفصلة عن الجمهورية اليمنية، وليست كياناً مستقلاً خارج سلطة الدولة، وأي محاولة لإدارة هذه المناطق بمنطق النفوذ العسكري بدلاً من منطق المؤسسات تمثل ضربة مباشرة لفكرة الدولة التي ننشدها.

لقد سقطت صنعاء عندما تقدمت الولاءات الخاصة على الولاء للدولة، وعندما اعتقدت بعض القوى أن بإمكانها استخدام السلاح لفرض معادلات سياسية جديدة. واليوم يتكرر المشهد بصورة مختلفة في بعض المناطق المحررة، حيث يتنامى نفوذ التشكيلات العسكرية على حساب المؤسسات الرسمية، ويتراجع دور الدولة لصالح مراكز قرار غير منضبطة وغير خاضعة للمساءلة.

الأخطر من ذلك أن استمرار هذا النهج يمنح الحوثيين فرصة ذهبية لتقديم أنفسهم كطرف في مواجهة خصوم منقسمين على أنفسهم. فلا يمكن الحديث عن استعادة الدولة في صنعاء، بينما يجري إضعافها في المناطق المحررة، ولا يمكن مطالبة الحوثي بتسليم مؤسسات الدولة، بينما توجد أطراف أخرى تتصرف وكأنها صاحبة الحق الحصري في إدارة مناطق نفوذها بعيداً عن مؤسسات الجمهورية اليمنية.

إن الشرعية لا تُضعفها البيانات السياسية ولا الحملات الإعلامية بقدر ما يضعفها وجود قوى تتعامل معها كغطاء سياسي فقط، بينما تحتفظ لنفسها بالقرار العسكري والأمني والاقتصادي على الأرض. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية التي تهدد مستقبل اليمن.

كلنا أمام خيارين لا ثالث لهما: إما دولة واحدة، وجيش واحد، وقرار واحد يخضع له الجميع دون استثناء، وإما استمرار إنتاج مراكز نفوذ متنافسة ستقود البلاد إلى مزيد من التشظي والانقسام.

ونؤكد أن معركة اليمن الحقيقية ليست معركة أشخاص، بل معركة بين من يؤمن بالدولة ومن يرى أن القوة العسكرية يمكن أن تكون بديلاً عنها. وقد أثبت التاريخ اليمني مراراً أن كل مشروع يضعف الدولة قد يحقق مكاسب مؤقتة لأصحابه، لكنه في النهاية يدفع الوطن كله نحو الخسارة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى