كتابات و اراء

إنصافاً لفخامة الرئيس رشاد العليمي

قيس المعافري

إن الإنصاف يقتضي دائمًا التوقف أمام تجربة الدكتور رشاد محمد العليمي بعيدًا عن الاصطفافات والمواقف المسبقة، والنظر إليها من زاوية موضوعية تتناول ما له وما عليه.

عندما تولى العليمي قيادة المرحلة، لم يستلم دولة مستقرة أو مؤسسات مكتملة الأركان، بل وجد نفسه أمام مشهد بالغ التعقيد: حرب مستمرة، واقتصاد منهك، ومؤسسات تعرضت للاستنزاف، ومكونات سياسية وعسكرية متباينة الرؤى والمصالح.

وكانت المهم الأساسية تتمثل في منع انهيار ما تبقى من الدولة اليمنية والحفاظ على شرعيتها ومؤسساتها في واحدة من أخطر اللحظات التي مرت بها البلاد.

ورغم كل ذلك، لم يُعرف عن الرجل أنه لجأ إلى خطاب الكراهية أو التحريض أو الانتقام السياسي، بل ظل حريصًا على إدارة الخلافات بالحوار، والتعامل مع مختلف القوى بعقلية رجل الدولة الذي يدرك أن اليمن لا يحتمل المزيد من الانقسامات.

ومن الإنصاف أيضًا الاعتراف بأن كثيرًا من الحملات التي استهدفته لم تكن مرتبطة بأداء إداري أو قرار سياسي بعينه، بقدر ما كانت تعبيرًا عن صراع أوسع حول شكل الدولة ومستقبلها. فكلما تحركت مؤسسات الدولة لاستعادة دورها، وكلما اقتربت من تنظيم القرار السياسي والعسكري والأمني تحت مظلة وطنية واحدة، ازدادت حدة الاعتراض من قبل بعض الأطراف التي اعتادت العمل خارج إطار الدولة أو الاستفادة من ضعفها.

لقد عمل العليمي في ظروف استثنائية تتجاوز قدرات أي مسؤول بمفرده، ومع ذلك استطاع الحفاظ على حضور الدولة في المحافل الإقليمية والدولية، والحفاظ على الاعتراف الدولي بالشرعية اليمنية، وتعزيز علاقات اليمن مع الأشقاء والأصدقاء، وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية التي واصلت دعمها لاستقرار اليمن ومؤسساته.

ولعل أبرز ما يُحسب للرجل أنه اختار العمل بصمت في زمن أصبح فيه كثيرون يفضلون صناعة الضجيج. فلم ينشغل بمعارك إعلامية يومية، ولم يسعَ إلى بناء شعبية مؤقتة عبر الخطابات الحماسية، بل ركز على الملفات المرتبطة ببقاء الدولة واستمرار مؤسساتها، وهي ملفات قد لا تحظى بالاهتمام الشعبي نفسه، لكنها تمثل أساس أي مشروع وطني حقيقي.

إن إنصاف رشاد العليمي لا يعني الادعاء بأنه معصوم من الخطأ، فذلك لا ينطبق على أي مسؤول أو قائد سياسي، لكنه يعني الاعتراف بأنه تحمل مسؤولية ثقيلة في مرحلة استثنائية، وأنه واجه تحديات معقدة بصبر وحكمة واتزان، وظل متمسكًا بخيار الدولة في وقت كانت فيه مشاريع أخرى تراهن على استمرار الانقسام والفوضى.

إن التاريخ لا يكتب أحكامه بناءً على ضجيج اللحظة، بل على النتائج والأثر. وعندما تُقرأ هذه المرحلة بموضوعية، سيجد كثيرون أن الرجل الذي تعرض لكمٍ هائل من النقد والاستهداف كان، في الوقت نفسه، أحد أبرز من حملوا عبء الحفاظ على الدولة اليمنية ومنع سقوط مؤسساتها، في ظروف كانت كفيلة بإسقاط دول أكثر استقرارًا من اليمن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى