كتابات و اراء

من الواقع الى النسيان … كيف اهملت الدراما اليمنية تاريخها ؟!

عبدالودود مشهور

في زمنٍ تتسابق فيه الدراما العربية لتأصيل ذاكرتها واستحضار ماضيها بكل تعقيداته، تبدو الدراما اليمنية وكأنها اختارت طريقًا آخر… طريق النسيان نسيان التاريخ أو تجاهله أو في أحسن الأحوال التعامل معه بسطحية لا تليق ببلدٍ يختزن واحدة من أعرق الحضارات في المنطقة.

ليست المشكلة في قلة الإنتاج فحسب بل في فقر الرؤية. فالنصوص الدرامية اليمنية طيلة العقود الماضيه غالبًا ما تنشغل باليومي والهامشي وتغرق في قوالب الكوميديا السريعة أو المعالجات الاجتماعية المباشرة دون أن تلتفت إلى مخزون تاريخي هائل يمتد من ممالك سبأ وحِمْيَر، مرورًا بمحطات مفصلية كفترة الإمامة وصولًا إلى التحولات السياسية الحديثة هذا التاريخ لا يُستدعى إلا كخلفية باهتة إن حضر أصلًا

اللافت أن هذا الغياب لا يمكن تفسيره فقط بالإمكانيات المحدودة صحيح أن الإنتاج التاريخي مكلف والدراما اليمنيه تفتقر لابسط الامكانيات لكن الأزمة أعمق ..أزمة وعي بأهمية التاريخ في تشكيل الوعي المجتمعي فالدول التي تحترم ذاكرتها، تستثمر في سردها، وتعيد تقديمها بصيغ درامية جذابة، لا لتوثيق الماضي فحسب بل لفهم الحاضر وبناء المستقبل.

وكما قيل من لا ماضي له لا مستقبل له ..

في المقابل، تبدو الدراما اليمنية وكأنها تعيد إنتاج ذاتها في حلقة مفرغة شخصيات نمطية بيئات مكررة وصراعات سطحية.

وحين تقترب من التاريخ تفعل ذلك بخجل أو بتبسيط مخل يفرغ الأحداث من سياقها ويحولها إلى حكايات مبتورة. هذا ان كان لها الشجاعه في الاقتراب …

في هذه السنه نرى ان الانتاج الدرامي يبدو افضل بكثير من قبل من حيث الفن والتنوع والقوالب الفنية والجميل فيه انه في هذا الموسم لرمضان ٢٠٢٦ حصل لفته تاريخيه بسيطه تحسب لدراما اليمنيه في مسلسل “ملوك اليمن “الذي بث على قناة يمن شباب والذي يحاكي حياة مجموعة من الملوك اليمنيين الذين حكمو اليمن كسيف بن ذي يزن

والملكه اروى بنت احمد الصليحي..

قد يكون المسلسل بامكانياته وبساطته لم يكن بالشكل المطلوب الذي يتناسب مع التاريخ العريق لليمن لكن كان بصيص أمل على أن تعود الدراما اليمنيه وتركز على الجانب التاريخي ..

ربما قد يكون هذا المسلسل واجه الكثير من الانتقادات منها استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل مفرط وغيرها لكن بداية حلوه محسوبه لدراما برغم من تشائم البعض عند بداية رؤية الاعلان لهذا المسلسل كان الخوف من عدم التمكن من اجادة اللغه العربية ومخارج الحروف وصياغة المفردات بدقه ليس ان الممثلين او المخرين او الكتاب غير قادرين لكن الابتعاد عن التاريخ واللغه قد يسبب النسيان بعكس من يمارسون اللغه .. لكن اثبت المسلسل بان الدراما اليمنية والممثلين اليمنيين قادرين على اجادة الادوار التاريخيه … بأي شكل من اشكالها…

الانتقاد الوحيد الذي اراه قد يكون انتقادا صائبا ان المسلسل ناقش مجموعة من الملوك في فترة زمنيه قصيره هذه الفتره ان حسبت لا تكفي لسرد قصة ملك واحد

كان من المفترض ان يأخذ ملكا واحدا وسرد قصته واخذ جميع جوانب شخصيته ومسيرة حياته….

ليس كما رأيناه في المسلسل لقطات قصيره ولفته سريعه على حياتهم …

لكنها بداية مشرقة… لدراما غائبة عن التاريخ

ان تصل متاخراً خيراً من ان لا تصل ..

نأمل ان نرى في السنوات القادمة تغيرا لدراما اليمنيه ولفت نظرها الى التاريخ المنسي والممسوح من على الشاشات…

وان لا تقتصر الدراما اليمنيه في موسم رمضان فقط بل نريد ان نراها في بقية العام فهي ليست شعيره من شعائر رمضان … ورمضان ليس لترفيه والتسلية بل للعبادة والطاعة

فالمسؤولية مشتركة هنا..على الكُتّاب الذين لم يغامروا بالخروج من المساحات الآمنة وعلى المنتجين الذين يفضلون الربح السريع، وعلى المؤسسات الثقافية الغائبة عن دعم مشاريع نوعية تعيد الاعتبار للتاريخ اليمني دراميًا كما أن غياب البحث والتوثيق الجاد ينعكس مباشرة على ضعف النصوص ويجعل أي محاولة تاريخية عرضة للأخطاء والتشويه…

فالنقد لا يعني إعلان الوفاة.

ماتزال الفرصة قائمة اليمن لا يفتقر إلى القصص بل يفيض بها. من سيرة الملوك والتجار إلى حكايات المدن القديمة إلى التحولات الاجتماعية والسياسية العميقة كلها مواد خام لدراما قادرة على المنافسة عربيًا إن توفرت الإرادة والرؤية.

إن استعادة التاريخ في الدراما ليست ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة. لأن الشاشة في نهاية المطاف ليست مجرد وسيلة ترفيه بل أداة وعي. وحين تُهمل الذاكرة يصبح النسيان هو البطل الحقيقي… وتلك خسارة لا تُقاس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى