دولي

“خيار الخنق” وموازين الردع: هل تضحي موسكو وبكين بـ “مخلب السند” و”شريان الطاقة”؟

تيار نيوز_تحليل

تحليل صحفي أعده لـ تيار نيوز: نادر الكحلاني

تمتلك طهران حلفاء ذوي ثقل عسكري واقتصادي وسياسي؛ فحليفتاها “روسيا والصين” تشكلان قوة ردع لأي تهديد يطالهما أو يطال حلفاءهما. كان المتوقع أن يمنع هذا التحالف إسرائيل من شن عمليات عسكرية بالشراكة مع الولايات المتحدة ضد إيران، لكن الغارات الإسرائيلية وحليفها الأمريكي في صباح الثامن والعشرين من فبراير كسرت كل التوقعات، حيث اندلعت مواجهة بالاستهدافات الصاروخية المتبادلة بين أطراف الصراع المتزايد يوماً تلو الآخر في عموم المنطقة.

أمام الصمت العسكري العلني لموسكو وبكين، يبرز السؤال الجوهري: هل تخلى “الدب” عن أحد مخالبه التي سندته في حربه ضد الأوكران؟ وهل يستغني “التنين” عن جزء كبير من مصدر طاقته ليُحارَب بها لاحقاً؟

التحالفات الإستراتيجية.. حدود الدعم والالتزام:

تُعد طهران بنظامها الإسلامي حليفاً سياسياً وفياً لموسكو منذ عقود، وقد تُوج ذلك بمعاهدة الشراكة الإستراتيجية التي دخلت حيز التنفيذ في الثاني من أكتوبر لعام 2025: وهي وثيقة مكونة من 47 مادة تشمل الدفاع، الأمن السيبراني، والطاقة. ورغم عمقها، إلا أنها لا تحوي بنداً ينص على “الدفاع العسكري المباشر” في حال تعرض الآخر للهجوم، ما يمنح موسكو مرونة في التعامل مع الصراعات الإقليمية. ومع ذلك، يظل الحليف الإيراني عنصراً حيوياً في الحرب الروسية الأوكرانية، خاصة من خلال الطائرات المسيّرة التي تُقدم لموسكو بأسعار منخفضة أو عبر المقايضة.

اقتصادياً، تبقى طهران الشريك المثمر لبكين، حيث تمدها بالنفط بأسعار تفضيلية (بخصم يصل لنحو 15 دولاراً للبرميل). وقد أدى ذلك لتفعيل “وثيقة التعاون الشامل” عام 2021، التي تهدف الصين من خلالها لاستثمار 400 مليار دولار في قطاعات الطاقة والبنية التحتية مقابل إمدادات مستقرة. وبحلول عام 2026، اعتمد الطرفان بشكل واسع على نظام التسوية باليوان الصيني للالتفاف على نظام “سويفت” الدولي، مما خفف العزلة المالية عن طهران وحوَل التحالف إلى شراكة تكنولوجية وعسكرية تجلت في المناورات المشتركة.

الجيوسياسة.. إيران كـ “حلقة” الوصل العالمية:

تتمتع إيران بموقع جيوسياسي بارز، فهي حلقة الوصل التي تربط ثلاث مناطق حيوية: وسط آسيا، جنوب آسيا، والشرق الأوسط، وتسيطر على “عنق الزجاجة” العالمي (مضيق هرمز) الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات الطاقة العالمية.
بالنسبة لموسكو: تُمثل إيران الممر الوحيد للوصول إلى المياه الدافئة (المحيط الهندي) بعيداً عن مضايق الناتو.
وبالنسبة لبكين: تشكل إيران حلقة وصل رئيسية في مبادرة “الحزام والطريق” برّاً نحو أوروبا وبحراً عبر موانئها، فضلاً عن كونها سوقاً استهلاكياً ضخماً ومصدراً للمواد الخام.

إستراتيجية “الخنق” الأمريكية:

يرى خبراء أن لـ “ترامب” أهدافاً رئيسية ضد الصين في حربه على إيران؛ فهو يدرك أن عقوباته ضد موسكو لن تؤتي ثمارها إلا بكسر حلقة الوصل الإيرانية. وفي حربه التجارية على بكين، اتخذ قرار “الخنق” الذي بدأه بفنزويلا، مستهدفاً الدول التي تمد الصين بالنفط خارج السيطرة الأمريكية.
ورغم غياب التدخل العلني، يعتقد الخبراء أن موسكو وبكين تقدمان دعماً استخباراتياً وعملياتياً غير مُعلن، حيث سُخرَّت الأقمار الصناعية الروسية والتقنيات الصينية لتمكين الإيرانيين من تحديد أهدافهم بدقة والتحكم بالصواريخ والمسيّرات.

أسئلة وآراء .

هل من المتوقع أن تتحول معاهدة 2025 بين موسكو وطهران إلى تحالف دفاعي مباشر إذا شعرت روسيا أن سقوط طهران يهدد أمنها القومي ؟
وإلى أي مدى يمكن لموسكو وبكين الاستمرار في سياسة “الدعم من خلف الستار” قبل أن تجدا نفسيهما مضطرتين للمواجهة ؟

دعم غير مباشر وتجنب المواجهة

يرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة تعز، الدكتور عبد القادر الخلي أنه من المستبعد تحول الاتفاقيات بين موسكو وطهران إلى تحالف دفاعي مباشر لمواجهة واشنطن، وذلك لعدة أسباب:
طبيعة الاتفاقيات: لا تنص التفاهمات الحالية على “الدفاع المشترك”، بل تقتصر على التعاون الأمني والتقني.
تجنب استنزاف الجبهات: دخول روسيا حرباً مباشرة يعني فتح جبهة جديدة أمام “الناتو” والولايات المتحدة بجانب الجبهة الأوكرانية، وهو ما لا تريده موسكو التي ترى في التوترات الحالية فرصة لتخفيف ضغط العقوبات ورفع أسعار النفط.
الموقف الصيني: يؤكد الخلي أن بكين لن تغامر بعلاقاتها التجارية الضخمة مع واشنطن من أجل طهران، خاصة وهي قادرة على إيجاد البديل النفطي عبر موسكو، مما يخدم مصالح الطرفين.
الخلاصة: سيكتفي القطبان (روسيا والصين) بتقديم الدعم التكنولوجي والعسكري “خلف الستار” لإغراق الولايات المتحدة في مستنقع إقليمي يستنزف قدراتها، على غرار المستنقع الأوكراني الذي تدعمه دول الناتو.

ويتفق المحلل الاستراتيجي علي الذهب مع الخلي في أن موسكو وبكين لن ينخرطا في الحرب المباشرة مع الولايات المتحدة لنفس الاسباب، ويعزز الذهب طرحه باستحضار سلوك روسيا في ملفات سابقة، حيث أظهرت ميلاً لإعادة تموضعها وفق المتغيرات، كما حدث في سوريا وأفغانستان، ما يعكس براغماتية عالية في إدارة تحالفاتها، وحرصها على الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية بغض النظر عن بقاء الأنظمة أو تغيرها.

ويلفت إلى أن الموقع الجغرافي المشترك بين روسيا وإيران، لاسيما عبر بحر قزوين، يتيح قنوات دعم لوجستي محتملة، دون الحاجة إلى تدخل عسكري مباشر، وهو ما يعزز سيناريو الدعم غير المباشر بدلاً من المواجهة المفتوحة.

وفي سياق أوسع، يربط الذهب هذا التوجه بنظرية “قلب الأرض” الجيوسياسية، التي تضع روسيا وإيران وتركيا ضمن نطاق جغرافي مؤثر في موازين القوى العالمية، خاصة في ملفات الطاقة وإعادة تشكيل النفوذ الدولي، معتبراً أن الصراعات الجارية في الشرق الأوسط وشرق أوروبا ترتبط إلى حد كبير بهذا الامتداد الجغرافي.

ويخلص إلى أن موسكو تراهن على سيناريوهين متوازيين: إما دعم إيران بما يكفي لإطالة أمد الصراع واستنزاف خصومها، أو إعادة ترتيب علاقاتها مع أي واقع سياسي جديد في حال تغير النظام، بما يضمن الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية في المنطقة.

الجانب الإقتصادي :روسيا والصين والبدائل المتاحة

في ظل تصاعد التوترات واحتمالات انقطاع النفط الإيراني أو السيطرة عليه أمريكيًا، تبرز تساؤلات حول قدرة الصين على تأمين بدائل فورية، ومدى نجاح إستراتيجية “الخنق” الأمريكية في عزل الاقتصادين الصيني والروسي عبر استهداف البنية التحتية الإيرانية.

يقول الخبير الاقتصادي فارس النجار إن “الصين تمتلك بدائل جزئية وسريعة نسبيًا، لكنها لا تمتلك بديلًا فوريًا كاملًا ومريحًا يعوّض النفط الإيراني دون كلفة سياسية وتجارية مرتفعة. مشيراً إلى أن الصين كانت تشتري في 2025 نحو 1.38 مليون برميل يوميًا من النفط الإيراني، أي ما يعادل نحو 13.4% من وارداتها البحرية، في وقت تصل فيه 92% من واردات الصين النفطية بحرًا، وفق إدارة معلومات الطاقة الأمريكية. ويعني ذلك أن التحدي لا يقتصر على فقدان النفط الإيراني، بل يشمل هشاشة المسار البحري في حال اتساع الاضطرابات في الخليج ومضيق هرمز”.

وبشأن البدائل، يوضح النجار أن “الصين يمكنها الاعتماد على روسيا، والسعودية، والعراق، والبرازيل، وغرب أفريقيا، لافتًا إلى أن المشترين الآسيويين اتجهوا بالفعل في مارس 2026 نحو أفريقيا والأمريكيتين لتعويض اضطراب الإمدادات الخليجية. كما أشار إلى أن صادرات الغاز الروسي إلى الصين عبر خط “قوة سيبيريا” بلغت 38 مليار متر مكعب سنويًا عند الطاقة المخططة في 2025، لكنه أكد أن ذلك يتعلق بالغاز أكثر من النفط، ولا يحل مباشرة مشكلة فقدان الخام الإيراني”.

وأضاف أن “النفط الروسي، رغم أهميته، لا يمكنه وحده تعويض أي اضطراب خليجي، خاصة أن كثيرًا من المصافي الآسيوية، ومنها الصينية، مهيأة تقنيًا لخلطات معينة من الخام الخليجي، ما يجعل البدائل غير متطابقة دائمًا من حيث المواصفات أو التكلفة. وأكد أن البدائل “موجودة على الورق أكثر مما هي متاحة فورًا في الواقع”، في ظل محدودية مسارات تجاوز مضيق هرمز، الذي مر عبره في 2025 نحو 20 مليون برميل يوميًا من النفط والمنتجات”.

ورغم ذلك، يلفت النجار إلى أن “الصين ليست مكشوفة بالكامل، إذ دخلت عام 2026 بمستويات مرتفعة من التخزين، مع تقديرات تشير إلى غطاء مخزوني يتراوح بين 110 و140 يومًا من الواردات، ما يمنحها قدرة على امتصاص الصدمة مؤقتًا، دون أن يشكل ذلك حلًا طويل الأمد”.

وفيما يتعلق بإستراتيجية “الخنق” الأمريكية، يرى النجار أنها “قد تُوجِع الصين وروسيا، لكنها لن تنجح بسهولة في عزلهما بشكل كامل. موضحاً أن أهمية إيران بالنسبة للصين تتوزع على ثلاث دوائر: مصدر نفطي منخفض التكلفة، وممر جغرافي ضمن مبادرة الحزام والطريق، ونقطة ضغط على الملاحة والطاقة في الخليج. وبالتالي، فإن استهداف البنية التحتية الإيرانية قد يرفع الكلفة على الصين ويعطل بعض شبكاتها اللوجستية، لكنه لا يؤدي إلى عزل اقتصادها بشكل كامل”.

أما بالنسبة لروسيا، فيشير إلى أن “تأثير إضعاف إيران سيكون غير مباشر، إذ تمتلك موسكو خطوط إمداد مستقلة نحو الصين، ولا تعتمد على إيران لتصدير طاقتها إليها، ما يجعل التأثير محدودًا على الشريان الاقتصادي بين البلدين”.

ويؤكد النجار أن “الوقائع خلال مارس 2026 تكشف حدود هذه الإستراتيجية، حيث أدى اضطراب الإمدادات إلى صدمة عالمية، تمثلت في تراجع صادرات الشرق الأوسط بنحو 60% خلال أسبوع، وارتفاع أسعار النفط، ودفع الولايات المتحدة إلى استخدام احتياطياتها الإستراتيجية والبحث عن أدوات طوارئ إضافية. ويعكس ذلك أن الضغط على إيران لا ينعكس على الصين وحدها، بل يمتد تأثيره إلى الأسواق العالمية”.

ويخلص إلى أن “ما يمكن أن تحققه واشنطن هو رفع كلفة النمو الصيني وإرباك سلاسل الطاقة، وليس عزل الصين أو روسيا بالكامل”.

وبين هذا وذاك يبقى السؤال مفتوحاً والإجابة عليه معلقة في ميدان المواجهة: هل تخوض موسكو وبكين حرباً مباشرة ضد الولايات المتحدة وحليفتها دفاعاً عن طهران رغم النسبة القليلة لهذا التقدير؟
وفي أي مرحلة يمكن أن يحدث الانفجار الكبير ؟
وكيف ستتعامل كُلٌ من “موكسو وبكين” مع هذا الخنق الإقتصادي؟.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى