كتابات و اراء

الخلاف السياسي خنجر في خاصرة الجمهورية

أسامة السهيمي_كاتب صحفي

لم يعد الخطر الحقيقي على الجمهورية قادمًا من خصومها بقدر ما يأتي من أولئك الذين يدّعون حمايتها. فكلما احتدم صراع الساسة على النفوذ، ازداد استهتارهم بالوطن، واتّسعت دائرة الطعن في فكرة الجمهورية ذاتها، وأصبح الأمر فعلاً مقصودًا عن سابق قصد .

ما يجري داخل صفوف الشرعية اليوم هو انحدار أخلاقي وسياسي مكتمل الأركان. أدوات رخيصة، وخطاب تحريضي، وضمائر معروضة في سوق المصالح. لا أحد يسأل عن المواطن، ولا أحد يتوقف عند معاناة المحافظات التي تُستنزف باسم الصراع على النفوذ والسيطرة ، وتعيش حالة تفكك خطيرة، تتغذّى على الأنانية، وتُدار بعقلية الإقصاء، ويُسوَّق لها بخطاب التخوين والتشويه.

من تعز المدينة التي لا زالت تدفع ثمن صمودها لاستعادة الجمهورية ، يُدار الخلاف وكأنه ثأر سياسي، إلى المخا التي تحوّلت إلى ساحة نفوذ، وصولًا إلى عدن التي تتنازع فيها الشرعية مع نفسها، تتكرّس صورة واحدة: سلطة بلا مشروع، وصراع بلا وطن ، وفي كل ذلك ، المواطن هو الخاسر الأكبر ، بلا خدمات ، بلا أمان ، لاوطن يحفظ حقوقه ولا ساسة تحافظ عليها .

المشكلة ليست في تعدد القوى، بل في غياب البوصلة الوطنية، ليست في الاختلاف، بل في تحويله إلى أداة هدم . يرفعون شعارات الجمهورية حين تخدمهم، ويطعنونها حين تعيق مصالحهم. يتحدثون عن الصف الوطني، بينما يمارسون الإقصاء والتخوين ، وأمام هذا الصراع نكون قد خسرنا المعركة أخلاقيًا قبل أن نخسرها سياسيًا . إن استمرار هذا التفكك يهدد فكرة الجمهورية ذاتها، من خلال تفريغها من مضمونها، وتحويلها إلى شعار سياسي يُستدعى عند الحاجة ويُغيب عند الخلاف.

ما يحتاجه الواقع اليوم هو مراجعة جادة، تعيد الاعتبار لقيم الشراكة، واحترام المؤسسات، وتقديم المصلحة العامة على الحسابات الضيقة، لأن كلفة الانقسام لا يدفعها الساسة، بل يدفعها المواطن أولًا وأخيرًا.

إن أخطر ما تواجهه الجمهورية اليوم ليس فقط تعدد مراكز القرار، أنما غياب الإحساس الجاد بالمشروع الوطني. فالتاريخ لا يرحم، والشعوب لا تنسى، والجمهورية التي تُذبح اليوم بسكاكين أبنائها لن تُنقذها تضحيات السنين . وإن لم يُعاد الاعتبار لفكرة الصف الواحد بالتزام ، فإن الجمهورية ستبقى الجرح المفتوح الذي يتنافس الجميع على الطعن فيه، لا على مداواته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى