
لم تكن فاجعة شبوة مجرد جريمة قتل، بل كانت جريمة تسليم. هذه هي الحقيقة العارية، وهذا هو أصل المأساة. ما شاهدناه لم يكن مجرد إعدام خارج القانون، بل كان مشهداً لقبيلة تتخلى عن أحد أبنائها، المتهم بالقتل، وتسلمه مباشرة إلى خصومه. لم يتم تسليمه إلى مؤسسة قضائية، بل إلى غريمه القبلي ليقرر مصيره..! وفي تلك اللحظة تحديداً، وقبل أن تنطلق الرصاصة الأولى، كانت الدولة قد أُعدمت بالفعل.
هذا الفعل، فعل التسليم، هو الإعلان الأكثر فصاحة عن موتنا كمجتمع مدني. إنه إقرار جماعي بأننا عدنا إلى ما قبل الدولة، إلى شريعة الغاب حيث لا وسيط بين الخصوم سوى القوة. المشهد الذي تلا ذلك، من ربط للضحية وصراخه بالبراءة ثم إطلاق النار، كان مجرد نتيجة طبيعية وحتمية لانهيار المبدأ الأول: عدم الاحتكام إلى العدالة. لقد أثبتت هذه الحادثة أننا لا نعيش في ظل دولة فاشلة فقط، بل نعيش في فراغ كامل حيث حلت القبيلة محل الدولة، ثم تخلت القبيلة نفسها عن مسؤوليتها وسلمت الفرد لمصيره.
إن انهيار العدالة في قضايا الدم هو المؤشر الأخير على الموت السريري لأي مجتمع. فإذا كانت الدولة عاجزة عن فرض هيبتها في لحظة الدم، فما الذي تبقى من هيبتها أصلًا؟؟ نحن لا نتحدث هنا عن غياب الرقابة على مشروع خدمي، أو عن فساد في مؤسسة إدارية، بل نتحدث عن الفراغ المطلق في أقدس وظائف الدولة: تحقيق العدالة ومنع الثأر. هذا الفراغ هو الذي يفتح الباب على مصراعيه للسؤال الوجودي المرعب: في أي غابة نعيش نحن؟
ومن هذه الحقيقة الصادمة، تتكشف بقية مآسينا كأنها قطع دومينو متساقطة. فغياب الدولة كضامن للعدالة هو نفسه الذي يملأ السجون بالأبرياء لسنوات دون محاكمة. هو نفسه الذي ينفي المعارضين ويشردهم لمجرد أنهم عبروا عن رأيهم، فلا يجدون قضاءً منصفًا يحميهم. وهو نفسه الذي يسمح بنهب الرواتب وترك الملايين للجوع، لأنه لا توجد سلطة عليا تُخضع الجميع للمساءلة….وكل هذه المآسي تنبع من مصدر واحد: موت فكرة “الدولة” في وعينا وسلوكنا.
الجواب يكمن في أننا نعيش في أقبح فترة مرت على تاريخنا. يتنازع حكمنا حفنة من أصحاب “المشاريع المريضة” الذين باعوا الوطن في سوق النخاسة الدولي، وأصبحوا عبيدًا للمحتل والغازي. نحن نكتوي بنيران العمالة والارتزاق، وفي الوقت نفسه، نكتوي بنيران الفوضى والفقر والجهل والظلام ومحاولة كل طرف أن يستأثر بالوطن لنفسه، وكأن مشروع الدولة لا يستوعب الجميع!!
والأدهى من كل ذلك، أن كل هؤلاء المتصارعين لا يملكون أي مشروع حقيقي للدولة التي تتسع للجميع. إنهم يبيعوننا الوهم، ويقتاتون على تمزقنا، ويزدهرون في فوضانا، بينما نحن نتمزق إربًا، ولا يلتفت إلينا أحد. في عمر الزهور يُرسل شباب اليمن إلى مقابر الموت دفاعًا عن أمراء الحروب، في الوقت الذي كان يجب أن يترعرعوا في نعيم دولة القانون والمؤسسات، دولة تحميهم من الحرمان وتضمن لهم مستقبل يلبي طموحاتهم.
اليوم، وفي هذا الكهف المظلم المسمى “وطنًا”، نرى القبيلة تتخلى عن الدولة، ونرى العدالة تُذبح على قارعة الطريق. إنه شعور يسقط الأقدام الواقفة ويجعلها تهوي في الأرض حتى تعجز عن الوقوف مرة أخرى.
لكن، هل نستسلم لهذا الواقع؟؟ هل نقبل بأن شريعة الغاب هي مصيرنا الأبدي؟ لا. إن الكتابة في زمن الموت هي فعل مقاومة. وفضح هذا الانهيار هو بداية بناء الوعي.
قد لا نملك اليوم القوة لإعادة بناء الدولة، لكننا نملك الكلمة لنصرخ في وجه هذا العبث، ونملك الذاكرة لنحفظ قصص الضحايا من النسيان. لعل في هذه الكلمات بذرة وعي تنمو في أرض اليباب، ولعلها تكون الشمعة التي نضيئها في وجه الظلام، على أمل أن يأتي فجرٌ نرى فيه الدولة تعود لتحكم بيننا بالعدل، وتعود فيه الروح أغلى من كل القبائل والشعارات.



