كتابات و اراء

صندوق النقد ينسحب والعليمي يقاتل لمنع سقوط الدولة اقتصاديًا وسياديًا

قيس المعافري

قرار صندوق النقد يكشف هشاشة الدولة، ويضع اليمن أمام خيارين: استعادة السلطة والاقتصاد أو الانزلاق نحو الفوضى والعزلة الدولية، بينما يقود العليمي معركة احتواء شديدة التعقيد لمنع انهيار شامل.

في توقيت حساس، جاء قرار صندوق النقد بتعليق أنشطته في اليمن ليكون أداة ضغط سياسي ناعمة. لا ينبغي التعامل مع هذا التعليق كقرار عادي مرتبط بمشكلات إجرائية، بل كأداة تستخدمها المؤسسات الدولية حين تفشل القنوات التقليدية في ضبط سلوك الفاعلين المحليين. فالصندوق لا ينسحب من دول تعاني أزمات اقتصادية فحسب، بل من دول تفتقد شريكًا سياديًا موحدًا قادرًا على الالتزام والتنفيذ.

في الحالة اليمنية، جاء القرار في لحظة مفصلية ليعكس قناعة دولية متنامية بأن البيئة السياسية، لا سيما في المحافظات الشرقية، لم تعد قابلة لاستيعاب برامج إصلاح أو دعم طويل الأمد في ظل تأكل سلطة الدولة، وتعدد الفاعلين، وغياب الضمانات التنفيذية.

تمثل أزمة حضرموت والمهرة أكثر من مجرد محافظتين؛ فهما عمق جغرافي، وممر اقتصادي، وخزان موارد، ورمز للسيادة. أي اضطراب فيهما ينعكس مباشرة على توازن الدولة ككل. ما جرى خلال الأشهر الماضية من عسكرة المشهد، وإجراءات أحادية، ومحاولات إعادة تعريف السلطة بالقوة حول هاتين المحافظتين، أصبح نقطة اختناق استراتيجية تهدد وحدة القرار المالي والسياسي.

من منظور دولي، لا يُنظر إلى هذه التطورات باعتبارها صراع نفوذ محلي فحسب، بل كإشارة إلى أن الدولة اليمنية لم تحسم بعد مسألة من يحكم، ومن يجبي، ومن يقرر. وفي مثل هذه البيئات، يصبح تعليق الدعم خطوة وقائية لتجنب الاستثمار في فشل محتمل.

يقف رئيس مجلس القيادة الرئاسي، الدكتور رشاد محمد العليمي، في موقع بالغ التعقيد: إدارة مجلس متعدد الولاءات، احتواء قوى أمر واقع، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي في وقت تتقلص فيه هوامش المناورة.

قراءة العليمي لقرار صندوق النقد كجرس إنذار تعكس إدراكًا استراتيجيًا بأن الأزمة تجاوزت حدود الخلافات السياسية وأصبحت تهديدًا وجوديًا لمسار الدولة. لذلك، فإن دعوته إلى انسحاب القوات الوافدة من خارج حضرموت والمهرة ليست مجرد مطلب أمني، بل محاولة لإعادة تعريف خطوط السيطرة واستعادة شرط الدولة الضروري لأي تعافٍ اقتصادي.

في اليمن، لم يعد الاقتصاد نتيجة للصراع فحسب، بل أصبح ساحة من ساحاته، تتحكم بالإيرادات، وتضعف البنك المركزي، وتخلق مسارات مالية موازية كلها أدوات تُستخدم لفرض واقع سياسي جديد. ومن هنا، يمثل تعليق أنشطة صندوق النقد رفضًا دوليًا غير مباشر لهذا النمط من إدارة الصراع.

المؤسسات المالية الدولية لا تمول الانقسام، ولا تعمل في بيئات يُستخدم فيها الاقتصاد كسلاح داخلي. هذا يجعل القرار رسالة تحذير للنخب المحلية بأن الاستمرار في هذا المسار سيؤدي إلى عزلة مالية خانقة.

لا يمكن فصل ما يجري عن حسابات الإقليم، فاستقرار المحافظات الشرقية يرتبط بأمن الملاحة والطاقة وخطوط النفوذ في جنوب الجزيرة العربية. ومن هنا يأتي الدور الحيوي لتحالف دعم الشرعية، خصوصًا المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات، في محاولة خفض التصعيد ومنع تحول الأزمة إلى تهديد إقليمي أوسع.

غير أن الرهان الدولي بات واضحًا: لا دعم بلا دولة، ولا شراكات بلا استقرار سياسي، وهو رهان يضع القيادة اليمنية أمام استحقاقات صعبة لكنها حتمية.

من منظور استراتيجي، تمثل القضية الجنوبية ملفًا حساسًا لا يمكن تجاهله أو القفز عليه، لكنها في الوقت ذاته لا يمكن إدارتها خارج إطار الدولة. القضايا الكبرى تُحل عبر تسويات شاملة، لا عبر فرض وقائع تُضعف الكيان الجامع وتفقده القدرة على التفاوض.

إن تحويل القضية الجنوبية إلى جزء من الحل الشامل، كما يؤكد رئيس مجلس القيادة، هو المسار الوحيد الذي يضمن عدالتها واستدامتها بعيدًا عن منطق الاستنزاف الداخلي.

أمام اليمن اليوم ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

1. سيناريو الاستدراك: احتواء أزمة حضرموت والمهرة، توحيد القرار المالي، استعادة ثقة المانحين، وعودة تدريجية للدعم الدولي.

2. سيناريو الجمود: استمرار الوضع القائم، دعم محدود، هشاشة اقتصادية، وتأكل بطيء للثقة.

3. سيناريو الانهيار: تصعيد سياسي، عزلة مالية، انهيار العملة، وتفكك مؤسسي أوسع.

قرار صندوق النقد ليس نهاية المسار، بل إشارة تحذير أخيرة. واليمن اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما إعادة الاعتبار للدولة كمرجعية سياسية واقتصادية واحدة، أو القبول بالتحول إلى ساحة مفتوحة بلا دعم وبلا أفق.

في هذا السياق، تبدو معركة رئيس مجلس القيادة ليست مع خصوم سياسيين فحسب، بل مع الزمن ذاته، في محاولة أخيرة لإنقاذ الدولة قبل أن يُغلق المجتمع الدولي نافذة الفرص.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى