كتابات و اراء

“مدينةٌ تفتش عن شربة ماء بين شقوق الأسفلت”

إبراهيم الجهلاني

منذ سنوات وشبح الهلاك يحوم جافًّا حول الحناجر العطشى في مدينة تعز، هنا على خاصرة اليمن حيث الوضع المعيشي غير المحتمل، والأكثر قساوةً في درب التبانة. إنها المدينة المغيبة تمامًا من أبسط الخدمات الضرورية، والمنسية في أدراج الدولة، تعيش بِمعزلٍ عن مشاريع المياه، أو حلولٍ بديلة تغني غناءها فتحول دون وحشية هذا الظمأ.

اليوم، وبعد بضع سنين عجافٍ ذبلت فيها أرواح السكان في عزِّ ربيعهم، ها هو يأتي شارعٌ فيه يغاث الناس ومنه يشربون.!

لقد وجدتْ هذه المدينة خلاصها من خرسانة الطرقات، وشقوق الشوارع السوداء! خلاصٌ تَمَثَّلَ بِبئر إرتوازية في خَط المركزي، عُلِّقَت عليه آمال كل الألسن اللآهثة زمنًا من شدة العطش.

لا ريب أنها سُقْيَةٌ إلهيَّة سَبَقَ أن وُهِبت لِلأنبياء والصالحين من قبل، وها هي تتكرر اليوم اغاثة للناس من جحيم القحط، ونجدة من بطش العطش المميت.

وإنَّ مَثَلَ أبناء مدينة تعز في تنقيبهم عن الماء في الأسفلت، كَمَثَلِ موسى إذْ استسقى لِقومهِ، فقال له ربُّهُ: “اضرب بِعصاكَ الحجر؛ فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا، قد علم كل أناس مشربهم.”

هذه المدينة التي ظلَّت _ طوال السنة الماضية _ تلهث عبثًا خلف الصهاريج، إذ بلغ الجفاف سدرة منتهى القحط، أكثر من أيِّ عامٍ مضى، فكان سقف أحلام المرئ فيها لا يعلو عن شربةِ ماءٍ ينتشل بها نفسه من الهلاك.

إنها اليوم _ بِشيءٍ من العمل وتوفيقٍ من الله _ تقي نفسها من تكرار أزمة المياه…

قالت تَعِزُ كلمتها؛ فكانت الطرقات أكرم من حاكميها، والخراسانة الصلبة أرحم ممن يَسُوسَها…!

لقد آن لِلمدينةِ أن تشرب وتغتسل وتتزين ( أُنَاسًا… وبيوتًا… وأَزِقَّةً… ) كباقي المُدن، فقد ضَمِنَت لها شوارعها ذلك، من تحت عجلات السيارات وأقدام المارَّة، ومن أسفل خطوات الباعة المتجولين.

لا خوف عليكِ _ بعد اليوم _ مِن الجَدبِ يا تَعِزُ، “قد جعل ربُّكِ تحتكِ سريًّا.”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى