العليمي يضع العالم أمام الحقيقة الدولة في اليمن تُنقَذ الآن أو تُفقد إلى الأبد
قيس المعافري

في لقائه بسفراء الدول الراعية للعملية السياسية، لم يكن الرئيس رشاد العليمي يشرح تطورات طبيعية ولا يكرّر مواقف دبلوماسية معتادة، بل كان في الحقيقة يطلق إنذارًا مبكرًا للعالم بأن ما يجري في المحافظات الشرقية للجمهورية اليمنية ليس مجرد خلاف داخلي، بل معركة على هوية الدولة نفسها.
لقد وضع الرئيس النقاط على الحروف، والجميع أمام السؤال الأكثر حساسية منذ عشر سنوات: هل يريد المجتمع الدولي دولة يمنية واحدة، أم أنه مستعد للتعايش مع سلطات موازية تقوّض كل ما بُني منذ بدء المرحلة الانتقالية؟
هذا السؤال لم يعد نظريًا؛ فالتطورات الأخيرة في حضرموت والمهرة تكشف أن هناك من يحاول القفز فوق المرجعيات واقتسام النفوذ بالقوة وفرض واقع جديد عبر التحركات العسكرية، وكأن اليمن ساحة مفتوحة لا مؤسسات لها ولا شرعية تحكمها.
العليمي قالها بوضوح غير معتاد لدى السفراء: الشراكة مع المجتمع الدولي ليست صناديق أو منظمات إغاثية، بل مسؤولية مشتركة في حماية فكرة الدولة.
فالدعم الخارجي مهما كان سخيًا لا يمكن أن يستمر إذا كانت المؤسسات الشرعية تُحاصَر من الداخل وتزاحمها قوى تتصرف خارج الإطار المؤسسي. والأخطر من ذلك أن هذه التحركات تهدد ما تبقى من ثقة المواطنين بالدولة، وتفتح الباب لانقسام جديد قد لا يستطيع اليمن تحمّل كلفته.
أشاد الرئيس بالدور المحوري للمملكة العربية السعودية في تهدئة حضرموت، لكنه أرسل رسالة أخرى لا تقل وضوحًا: هذه الجهود تتعرض لتهديد حقيقي، والأمر هنا لا يتعلق بتنافس سياسي، بل بمخاطر قد تطال رواتب الموظفين، والكهرباء، والوقود، والاقتصاد الهش، والوضع الإنساني، وثقة المانحين.
حضرموت اليوم ليست مجرد محافظة، إنها آخر معاقل التوازن الاقتصادي في اليمن، وأي فوضى فيها تعني انهيارًا ينعكس على كل المحافظات المحررة.
يجب على العالم أن يتخذ موقفًا قويًا، لأن الدولة إذا تراجعت خطوة واحدة في حضرموت أو المهرة فلن يكون هناك ما يمنع تراجعها في بقية المناطق، ولأن أي انزلاق نحو صراع داخلي جديد سيجعل مهمة مواجهة الحوثيين شبه مستحيلة.
وهنا كان الرئيس حاسمًا: المعركة الحقيقية ليست في الجنوب ولا في الشرق؛ المعركة الحقيقية هي استعادة الدولة وإنهاء انقلاب الحوثيين.
لكن كيف يمكن خوض هذه المعركة بينما جبهات الاستنزاف تُفتح داخليًا بقرارات منفردة؟!
دعوة الرئيس لعودة القوات الوافدة إلى خارج محافظتي حضرموت والمهرة ليست مطلبًا سياسيًا، بل شرطًا لبقاء سلطة الدولة. وليس من المنطق أن ينازع أحد الحكومة سلطاتها الحصرية، ثم يطلب من العالم دعمًا سياسيًا وماليًا.
على المجتمع الدولي أن يحسم موقفه: إما دعم الدولة بمؤسساتها، أو القبول بفوضى ستدفع المنطقة كلها ثمنها.
ما صرّح به العليمي في هذا اللقاء هو أهم رسالة سياسية يوجهها منذ توليه رئاسة مجلس القيادة: لا دولة مع الإجراءات الأحادية، ولا استقرار مع تعدد مراكز القوة، ولا مستقبل سياسي إذا سقطت المؤسسات الشرعية.
لقد أكد للعالم: نحن نقوم بواجبنا، فافعلوا أنتم ما يلزم لحماية ما تبقى من الدولة قبل أن يصبح الحديث عنها مجرد حنين إلى الماضي.



