
يبدو أن شارع جمال في تعز يعيش واحدة من أكثر لحظاته تعقيدًا، بعدما تحوّل – عن قصدٍ أو إهمال – إلى رمزٍ للفوضى والعجز الإداري في المدينة.
فالشارع، الذي يُعدّ الشريان الحيوي لتعز، أصبح اليوم مقطوعًا أمام حركة الناس والمركبات، فيما لا تزال الخيام منصوبة في وسطه منذ أسابيع، دون أي تحرك فعلي من قِبل السلطة المحلية لإعادة فتح الطريق وتخفيف الزحام الخانق الذي يشلّ الحياة اليومية.
مشهد السيارات المتكدسة، والأصوات المتوترة، والوجوه الغاضبة، أصبح جزءًا من يوميات سكان المدينة.
يُضطر السائقون إلى استخدام خطٍ واحد ذهابًا وإيابًا، في حركةٍ أشبه بالاختناق الجماعي، حيث تتوقف السيارات لساعات، وتتعطل المصالح، ويصبح الوصول إلى أي مكان مهمةً شبه مستحيلة.
ولعلّ أكثر ما يثير الألم هو أن هذا الواقع لم يعد استثناءً مؤقتًا، بل حالةً مستمرة تُقابل بصمتٍ رسمي يثير التساؤلات.
تخيل أن تكون في طريقك إلى المستشفى تحمل مريضًا في حالة طارئة، وتعلق في الزحام لساعات، فقط لأن خيمة ما قررت أن تبقى في وسط الطريق، ولأن أحدًا لم يجرؤ على تنفيذ القانون.
تساؤلات كثيرة تتردد اليوم في أذهان الناس:
لماذا لا تُرفع الخيام؟ ولماذا لم تُتخذ إجراءات واضحة لإعادة الحياة إلى الشارع؟
هل أصبح من الطبيعي أن تُقطع الطرقات لأي احتجاج أو مطلب دون حساب لعواقب ذلك على حياة المواطنين؟
لقد تحوّل شارع جمال إلى مسرحٍ مفتوحٍ لكل القضايا والمظاهرات، حتى باتت المدينة كلها تدفع ثمن غياب التنظيم.
فالاحتجاج حق مكفول، لكن تحويل الشوارع الرئيسية إلى ساحات مغلقة ليس تعبيرًا عن الحرية، بل اعتداء على حق الآخرين في الحياة والتنقل والأمان.
المدينة اليوم بحاجة إلى وقفةٍ جادة من السلطة المحلية، قبل أن يتحول الوضع إلى كارثة يومية.
فالمواطنون لم يعودوا يحتملون مزيدًا من الفوضى.
لا أحد يعارض حق التعبير أو الاعتصام، لكن يجب أن يكون ذلك في إطارٍ من النظام والمسؤولية، لا أن يُترك مصير مدينةٍ بأكملها معلقًا بخيمةٍ أو بمزاجٍ سياسيٍ عابر.
إن بقاء شارع جمال على هذا الحال يعني أن شيئًا ما في منظومة الإدارة قد انهار فعلاً.
فحين تُغلق الشوارع ولا يتحرك أحد، وحين يُترك الناس يواجهون معاناتهم في صمت، فذلك لا يعبّر إلا عن غياب الإرادة وضعف القرار.
إن إعادة فتح شارع جمال ليست مجرد خطوة خدمية، بل فعل إنقاذٍ لوجه المدينة الذي بدأ يتلاشى خلف غبار الزحام.
على السلطة المحلية أن تتحرك، وأن تُثبت أن القانون لا يزال موجودًا، وأن تعز – رغم كل ما مرت به – ما زالت قادرة على النهوض إذا وُجدت الإرادة.
تعز لا تستحق أن تُختنق بخيمة،
ولا أن تُدفن تحت عجز المسؤولين،
بل تستحق أن تعود لتتنفس من جديد.



