
تُعد ظاهرة حمل السلاح المنفلت في مدينة تعز من أسوأ الظواهر السلبية، وتحديداً – أو بالأصح على وجه الخصوص – في الظروف الاستثنائية التي يعيشها البلد اليوم، وهي ظروف الحرب المفروضة عليه من قبل ميليشيا الحوثي الإرهابية الكهنوتية، التي تشربت ثقافتها وفكرها المتورّد من مدارس قم وطبرستان.
وحسب دراسات أجراها علماء في السياسة والاقتصاد والاجتماع، فقد توصلوا إلى نتيجة حتمية ومؤكدة، مفادها أن البلدان التي تشهد حروباً وصراعات طائفية أو عرقية، تصبح بيئة خصبة ومسرحاً واسعاً لانتشار الجريمة المنظمة بفروعها الثلاثة الرئيسة: (تجارة المخدرات، تجارة الأعضاء البشرية، وتجارة الدعارة والجنس).
أما علماء الاقتصاد، فقد أكدوا أن تردي الأوضاع المعيشية وارتفاع معدلات البطالة وانخفاض دخل الفرد، بل وتدهور الوضع الاقتصادي العام في الدول التي تعاني من ويلات الحروب، يساهم إسهاماً فاعلاً وكبيراً في انتشار الظواهر السلبية والجرائم، وخصوصاً في المناطق التي كانت خاضعة للنظام والقانون وتمتلك ثروة بشرية كبيرة في المجالات السياسية والثقافية والفكرية.
ولعل محافظة تعز – وتحديداً مدينة تعز – تُعد مثالاً نموذجياً لذلك، فهي في نظر المفكرين والسياسيين “ترمومتر اليمن”، تماماً كما تُعد القدس ترمومتر الأمة جمعاء. ويأتي هذا الوصف لما تزخر به تعز من ثروة بشرية هائلة، خصوصاً من النخبة السياسية والمثقفة والفكرية، إذ تتربع على قمة الهرم بين المحافظات اليمنية كافة، وقد عُرفت منذ زمن بعيد بأنها عاصمة الثقافة اليمنية ومحافظة السلم والنظام والقانون.
دعونا – أعزائي – نعرج إلى صلب الموضوع. فبعد اندلاع الحرب التي فرضتها ميليشيا الحوثي الكهنوتية الإرهابية، أصبحت الفوضى والظواهر السلبية بديلاً عن السلام والنظام والقانون في مدينة كانت تُعرف بمدينة النظام.
ومن الملاحظ أن المحافظات التي كانت أكثر أمية وأقل تعليماً، وتخضع للأعراف القبلية، لم تتأثر كثيراً في هذا الجانب، لأن العرف القبلي ما زال يحكم الجميع فيها، مما ساهم في الحد من انتشار بعض هذه الظواهر السلبية، وإن وُجدت فهي محدودة أو محصورة غالباً.
إذًا، نحن أمام ظاهرة خطيرة تستحق التوقف عندها مطولاً، وهي ظاهرة حمل السلاح المنفلت في مدينة تعز، أو بمفهوم أشمل وأدق: الموت القادم من أكتاف الشباب.
ولابد من دراسة أسباب هذه الظاهرة ونتائجها ومخاطرها على الفرد والمجتمع، وتأثيرها على سمعة عاصمة الثقافة اليمنية، وتعز تحديداً، بما تعكسه من صورة سلبية للغاية.
وعند النظر إلى الأسباب، نجد أولاً غياب دور الأسرة والمجتمع والدولة ومؤسساتها الدستورية، التي يقع على عاتقها العبء الأكبر في إرساء مداميك الأمن والأمان في المدينة، وهو غياب يمكن تفسيره بتداعيات الحرب وتأثيراتها المباشرة.
أما السبب الثاني – وهو الأهم – فيكمن في ضعف التربية الأسرية ودور الأسرة في تنشئة الشباب، إذ أن العدو، حين لا يتمكن من مواجهتك في الميدان، يلجأ إلى أساليب قذرة لاستهداف الأسرة من الداخل. ومن أبرز تلك الأساليب تفشي ظاهرة “الزامل” التي تُشحن بها عقول الشباب بشحنات سلبية، فتجعلهم ينظرون إلى حمل السلاح كرمز للرجولة والبطولة، حتى نجد بعض المراهقين يستخدمون السلاح لأتفه الأسباب، فيدخلون عالم الإجرام في سن مبكرة.
وعند التعمق في دراسة هذه الظاهرة من مختلف الجوانب، يجب على كل مواطن – صغيراً كان أو كبيراً، رجلاً أو امرأة – أن يدرك تماماً أنه رجل الأمن الأول، لأنه هو المستفيد من الأمن في حياته اليومية؛ فالمواطن يحتاج للأمن ليصل إلى المسجد، والتاجر يحتاجه لفتح متجره، والعسكري بحاجة إليه كذلك. إنها قضية تكاملية بين جميع أفراد المجتمع في المدينة.
فإذا تكاتفت الجهود في مواجهة هذه الظاهرة، ستنحسر ثقافة حمل السلاح من مدينة تعز، وتختفي الجريمة، لتعود الصورة المشرقة والجميلة التي عُرفت بها المدينة: مدينة السلام والثقافة والعلم والأخلاق الفاضلة.
ومن وجهة نظري كأحد أبناء هذه المحافظة، وكإعلامي تابع لمجريات الأحداث على مدى عقدين من الزمن، فإن من أهم الحلول والمعالجات هو:
التوعية المستمرة بخطورة هذه الظواهر السلبية الدخيلة على مدينتنا،
استخدام مختلف الوسائل الإعلامية المرئية والمسموعة والمقروءة ومنصات التواصل الاجتماعي،
فتح خطوط ساخنة للتواصل مع غرفة عمليات مشتركة بين قيادة أمن المحافظة وقيادة محور تعز،
التبليغ أولاً بأول عن كل من يحمل السلاح من الشباب والمراهقين في الشوارع والأحياء،
إصدار قانون عقوبات رادع يمنع حمل السلاح دون ترخيص،
قصر حمل السلاح على رجال الأمن فقط، وفي أوقات دوامهم وبالزي الرسمي، لما يمنحه هذا الزي من طمأنينة في نفوس المواطنين.
ولا ينبغي إغفال أهمية التوعية عبر المنشورات والدوريات والمجلات والإذاعات المدرسية ودور الجامعات، فبتطبيق هذه القواعد والبنود يمكننا استعادة الصورة النمطية والمشرّفة لمدينة تعز، مدينة السلام والثقافة والعلم.
وحينذاك، يحق لنا أن نقول بفخر:
خُلقنا والثقافة في دمانا.. ومن أقصى الثقافة فليس منا.



