
منذ أن تناول غوستاف لوبون ظاهرة الجماهير في دراسته الكلاسيكية عن “سيكولوجية الحشود”، وهو يثير سؤالًا مؤرقًا لا يزال يطرق أبواب الفكر الإنساني حتى اليوم: هل تبحث الجماهير حقًا عن الحرية، أم عن سيدٍ تخضع له باسم الطاعة والانتماء؟ هذه الفرضية التي تبدو للوهلة الأولى صادمة، تفتح أبوابًا شائكة في فلسفة الاجتماع والسياسة، إذ تشير إلى أن الإنسان في لحظة اندماجه داخل الجماعة يتخلى عن فرديته، ويستبدل وعيه بعقلٍ جمعي تغلب عليه الغرائز والانفعالات.
يقول لوبون إن الجماهير حين تجتمع، تفقد قدرتها على التفكير العقلاني، وتصبح أكثر قابلية للتأثر بالشعارات والمشاعر اللحظية، فتخلع على زعمائها صفاتٍ تكاد تلامس القداسة، وتبحث في خضوعها لهم عن نوعٍ من الطمأنينة يعفيها من أعباء الحرية ومسؤولياتها. الحرية في منظور الجماهير ليست غاية نبيلة بل عبء ثقيل، لأنها تتطلب وعيًا بالموقف ومساءلةً للذات وقدرةً على اتخاذ القرار، وهي كلها أمور تنفر منها النفس المستكينة التي تفضل أن تتوارى خلف الراية لا أن ترفعها.
وفي المستوى السيكولوجي، يمكن القول إن الميل للعبودية ينبع من خوفٍ دفين يسكن الإنسان حين يُترك وحيدًا أمام مسؤوليته.
فالفرد في الجماعة يشعر بالراحة حين يذوب في القطيع، ويجد في الزعيم ملاذًا من قلق القرار وصخب العالم، تمامًا كما يلجأ الطفل إلى سلطة الأب اتقاءً للخطر. ثم تأتي الحاجة للانتماء فتعمّق هذا التعلق؛ إذ يجد الإنسان ذاته من خلال الجماعة لا من خلالها فقط، ويمنحه الزعيم شعورًا زائفًا بالتماسك والهوية حتى لو كان ذلك على حساب حريته.
إن الجماهير، كما يرى لوبون، حين تتوحد، تعود بعقلها إلى حالةٍ بدائية يغلب عليها اللاوعي، فتصبح مفتونة بالقوة، منقادةً لها كما تنقاد الحشود للأسطورة، لا للعقل.
وقد لامس هذا المعنى فلاسفة آخرون بطرقٍ مختلفة؛ فنيتشه رأى في أخلاق الجماهير نوعًا من “أخلاق العبيد” التي تقدّس الطاعة وتلعن التفرد، ودعا إلى كسر الأصنام التي يصنعها القطيع لذاته.
أما هوبز فاعتبر أن الإنسان، خوفًا من الفوضى، يفوض سلطته للحاكم طوعًا طلبًا للأمن.
في حين ذهب أريك فروم في كتابه “الخوف من الحرية” إلى أن الإنسان الحديث، رغم تحرره من القيود القديمة، لا يزال يهرب من الحرية ذاتها، لأنه عاجز عن مواجهة فراغها ومسؤوليتها، فيبحث عن بديلٍ سلطوي يمنحه وهم الأمان إن الحرية في هذا السياق ليست انعتاقًا من السلطة، بل قطيعة مع الحاجة إليها.
وتاريخ السياسة مليء بالشواهد التي تثبت أن الطغاة لم يُفرضوا دومًا بالسيف، بل نُصبوا غالبًا على أكتاف الجماهير ذاتها فصعود هتلر لم يكن نتيجة قهرٍ محض، بل استجابة جماهيرية عطشى للنظام والقيادة في زمن الفوضى. وكذلك الأنظمة الشمولية في العالم الثالث لم تترسخ بالبطش وحده، بل بحاضنةٍ جماهيرية وجدت في الطاعة خلاصًا وفي الزعيم تجسيدًا لأحلامها المكبوتة.
وحتى الجماعات الدينية المتطرفة إنما تقوم على ذات المبدأ؛ إذ تُقدَّم الزعامة فيها كقداسةٍ ترفع عن الأتباع عبء التفكير، وتمنحهم معنى وجودهم في الانقياد، لا في الاختيار.
وإذا أسقطنا هذه النظرية على المشهد العربي واليمني المعاصر، سنجد أن ظمأ الجماهير للعبودية لا يزال حاضرًا وإن تنكّر بأقنعة جديدة فالجماهير هنا لا تتبع من يفكر بعمق، بل من يصرخ بأعلى صوت، ولا تبحث عن منطقٍ أو رؤيةٍ أو مشروع وطني، بل عن شعارٍ يطمئنها بأن خلاصها قريب.
في زمن الحرب والجوع والانقسام، يتراجع الوعي إلى حدود الغريزة، ويصبح الخلاص الفردي ضربًا من الأنانية، بينما تتحول الطاعة إلى فضيلة، والاعتراض إلى خيانة. هكذا يتجلى “الزعيم” في صورة المخلّص، وتغدو الجماهير شريكة في استبدادها، لا ضحيته فقط.
يبقى سؤال لوبون بعد قرنٍ من الزمان سؤالًا مفتوحًا: هل تبحث الجماهير حقًا عن الحرية أم عن رايةٍ تلوّح بها تحت ظل سلطةٍ تحميها من ذاتها؟ ربما كان أعظم أشكال العبودية هي تلك التي تمارسها النفس على نفسها باسم الأمان والانتماء إن فهم هذا الميل العجيب للعبودية لا ينبغي أن يكون تبريرًا للاستبداد، بل سبيلًا لفهم آلياته، حتى نكفّ عن إعادة إنتاجه جيلاً بعد جيل. فالحرية الحقيقية ليست أن تتحرر من الزعيم، بل أن تتحرر من حاجتك إليه.



