كتابات و اراء

“مـدينةٌ تـبـحـثُ عـن قـنـدِيلـهـا”

يوسف اليامي

في كل مساءٍ، حين تميل الشمس إلى الغروب، تُغلق مدينة تعز عينيها على ظلامٍ لم تعرف له نهاية.
تسكن الأحياء في سكونٍ غريب، كأن الزمن توقف هناك منذ أعوام، وكأن المدينة التي كانت تضجّ بالحياة،
قد قررت أن تنام على وسادةٍ من ظلامٍ وإهمال.

الكهرباء التي كانت يومًا نبض الشوارع وأمان البيوت، تحوّلت إلى ذكرى باهتة يتحدث عنها الكبار بحنينٍ،
ولا يعرفها الصغار إلا كقصةٍ من زمنٍ بعيد، تمامًا كما نحكي لهم عن مدنٍ مضيئة لا تنطفئ

في تعز، الظلام ليس مجرد غيابٍ للنور، بل حالة حياةٍ كاملة.
هنا، تُضاء البيوت بألواحٍ شمسية متهالكة،
تتعب مع الغيوم، وتستسلم في الليالي الطويلة.
وفي كل منزل، ثمة طاقة بديلة صغيرة، تعمل ساعاتٍ معدودة،
ثم تنطفئ عند التاسعة مساءً، لتبدأ رحلة العُتمة اليومية.

المدينة تنام مبكرًا رغمًا عنها.
الأطفال ينقطعون عن المذاكرة،
الأمهات يجلسن أمام نوافذٍ مظلمة،
والمسنّون ينتظرون الفجر ليشعروا أن هناك ضوءًا ما زال في هذا العالم.

منذ أن انطفأت الكهرباء الحكومية في تعز، لم ينطفئ سيل الوعود.
وعودٌ من مسؤولين، وبيانات من حكومات، ومشاريع لم ترَ النور.
في كل عام، يسمع الناس ذات الجملة: “قريبًا ستعود الكهرباء”.
لكن “قريبًا” في قاموس السياسة اليمنية، معناها: أبدًا.

كل تصريحٍ جديد يمرّ، يُشبه عود ثقابٍ يُشعل لحظةِ أملٍ صغيرة،
ثم ينطفئ سريعًا تاركًا خلفه رماد الخيبة.
لقد ملّ الناس من الكلمات، ومن الوعود التي تتبخر في الهواء،
ومن “الخطة الجاهزة” التي لا تُنفّذ،
ومن “الدراسات الفنية” التي لا تثمر سوى الظلام.

في مدينة بلا كهرباء حكومية، صار النور سلعة.
من أراد أن يرى بيته مضاءً، عليه أن يدفع.
المولدات التجارية صارت كأنها شرايين بديلة، لكنها باهظة الثمن.
الكيلوواط الواحد يكلف المواطن أضعاف ما كان يدفعه قبل الحرب،
حتى صار الضوء ترفًا للفقراء، وحاجةً لا يقدر عليها إلا القادرون.

يقول أحد السكان:
> “أحيانًا أضطر أن أختار بين شراء طعامٍ لأطفالي أو دفع اشتراك المولد. اخترت الجوع على أن يعيشوا في ظلام، لأن الظلام يخنق الأطفال أكثر من الجوع.”

حين غابت الكهرباء الحكومية، لجأ الناس إلى الشمس.
ألواح صغيرة فوق الأسطح أصبحت رمز البقاء، لكنها لم تكن كافية.
هي ضوءٌ مؤقت، هشّ، لا يحتمل أجهزة أو أحلامًا كبيرة.
يشغّلون بها مصباحًا ومروحة، ويشعرون وكأنهم امتلكوا العالم.
لكن في الحقيقة، ما زالوا أسرى العُتمة.

وعندما تغيب الشمس في المساء، تبدأ المدينة رحلة الانطفاء.
تخفت الأصوات، وتختفي الضوضاء،
حتى الأحاديث بين الناس تقلّ،
وكأن كل شيء ينتظر فجرًا لا يأتي.

الليل في تعز… ليس ككل ليل
في مدنٍ أخرى، الليلُ حياة: مقاهٍ مضاءة، شوارع مزدحمة، وأضواء تلمع فوق الأرصفة.
أما في تعز، فالليل خوفٌ ووحدة.
شوارعها خالية، وأبوابها مغلقة،
والأصوات الوحيدة التي تُسمع هي أزيز مولدٍ بعيد، أو نباح كلبٍ في حيٍ نائم.

تقول امرأة مسنّة تسكن في حي الحصب :
> “كنتُ أخرج إلى السطح في الليل لأشاهد المدينة مضاءة، اليوم لا أرى شيئًا، حتى القمر يبدو حزينًا فوق تعز.”

أطفال تعز لم يعرفوا الكهرباء الحكومية أبدًا.
يسألون آباءهم:
> “كيف يكون الشارع مضاءً في الليل؟ هل هناك مدن لا تنطفئ؟”
فيبتسم الآباء بمرارة، لأنهم لا يملكون جوابًا.
الذين وُلدوا بعد الحرب لم يعيشوا لحظة واحدة في مدينة مضاءة.
إنهم جيلٌ تربى في الظلام، يحلم بالنور كما يحلم غيره بالنجاح أو السفر.

في المقابل، يعيش المسؤولون في عالمٍ آخر،
بيوتهم مضاءة، ومكاتبهم مزوّدة بمولداتٍ خاصة،
يتحدثون عن “إصلاح الشبكة” و“تمويلٍ قريب”،
لكنهم لا يشعرون بما يشعر به المواطن حين يجلس أمام شمعةٍ تذوب ببطء،
وتذوب معها كل آماله.

منذ سبع سنوات، لم يُحاسَب أحد على هذا الملف.
لم تُفتح تحقيقات، ولم تُعلن ميزانيات واضحة،
بل تحوّلت الكهرباء إلى ملفٍ سياسي تُستخدم فيه الوعود كورقة ضغطٍ،
ولم تعد “خدمة عامة”، بل “أداة نفوذ”.

أصبح الظلام جزءًا من هوية تعز، مثل قلعتها، مثل جبالها، مثل جراحها.
كل شارعٍ فيها له قصة مع انقطاع الكهرباء،
كل بيتٍ له حكاية مع شمعةٍ احترقت، أو بطاريةٍ تلفت، أو طفلٍ بكى من الحرّ في الليل.
لم تعد الكهرباء رفاهية، بل حقًا ضائعًا يُطالب به الناس كما يطالبون بالسلام.

فهل ستُضيء تعز يومًا كما كانت؟
أم أن النور نسي طريقه إلى هذه المدينة؟
هل ستُوفى الوعود المعلّقة في الهواء يومًا ما؟
أم أننا سنمضي أعمارنا نكتب عن الكهرباء كما نكتب عن الحنين؟
هل سيأتي المساء الذي نمشي فيه تحت أعمدةٍ مضيئةٍ لا تخوننا عند التاسعة؟
هل ستضحك المدينة مجددًا عندما ترى شوارعها تتلألأ بالنور؟
أم أن هذا الحلم سيبقى مؤجلًا حتى إشعارٍ آخر…؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى