كتابات و اراء

ذاكرة الشهداء أقوى من المشانق

محمد الصلاحي

في تاريخ الشعوب لحظات فارقة، تظل محفورة في وجدانها، كالجمر تحت الرماد لا يطفئه الزمن ولا تغطيه سنوات النسيان، ولليمنيين، ولأبناء تهامة على وجه الخصوص، كان صباح 18 سبتمبر واحداً من تلك اللحظات التي تجرح الروح وتوقظ الضمير، يوم قررت المليشيا الحوثية أن تُقيم مسرحاً للدم، وتُعدم تسعةً من شباب تهامة بتهمة ملفقة، في جريمة ستظل عاراً يلاحقها إلى الأبد.

على منصة الموت، سُيقت الأرواح ظلماً وعدواناً، فيما حاول الجلادون أن يزرعوا الخوف في قلوب الناس. لكن المشهد انقلب عليهم؛ فالعيون التي تابعت تلك اللحظة لم ترَ سوى وحشيةٍ متجردة من الإنسانية، وأرواحٍ تصعد إلى السماء مكللة بالكرامة، لم يكن أولئك الشهداء مجرد أسماء، بل صاروا رمزاً للأرض المظلومة التي رفضت أن تُهان.

وسط ذلك الركام من القسوة، ارتفع صوت الشهيد عبدالعزيز الأسود، لا بالكلمات وإنما بالنظرات، تلك اللحظة التي التقت فيها عيون اليمنيين بوجهه الشاحب، صارت درساً خالداً في العزة لقد واجه جلاديه بشموخ، كأنه يقول: “اقتُلوا الجسد إن شئتم، أما الروح فلن تطالها سيوفكم” ابتسامته الأخيرة كانت صفعة على وجوه الطغاة، وحضوره الأخلاقي أسقط المليشيا أخلاقياً أمام العالم كله.

لقد أرادت المليشيا أن تُرعب الناس، لكنها لم تحصد إلا الغضب أرادت أن تطوي صفحة التهاميين في لحظة موت، فإذا بها تكتب فصلاً جديداً في ذاكرة اليمنيين كلهم ما حدث لم يكن مجرد إعدام جماعي، بل كان استدعاءً لذاكرة سوداء من تاريخ الإمامة الكهنوتية، حين كانت المشانق والدماء هي اللغة الوحيدة التي يعرفونها في الحكم.

تمر أربع سنوات على الجريمة، والجرح ما زال مفتوحاً لم تندمل الذاكرة، ولم تخفت مشاعر الألم تهامة لم تنسَ أبناءها، ولن تنساهم، دموع الأمهات والزوجات والأطفال، لا تزال تنطق بالحق، وتذكّر كل يمني أن هناك ديناً في أعناقنا جميعًا: أن نقتص للضحايا، وأن نوقف دورة الدم التي تريد هذه الجماعة أن تجعلها قدراً مكتوباً علينا.

إن دماء الشهداء التسعة ليست مجرد خسارة، بل هي عهد ووعد، عهد بأن تهامة لن تنكسر، ووعد بأن اليمن لن يظل أسيراً لمشانق الكهنوت تلك الدماء تحولت إلى جدارٍ يحمي الذاكرة، ويمنع التاريخ من إعادة إنتاج الطغيان، واليوم، بينما يتذكر اليمنيون تلك الجريمة، فإنهم لا يستحضرون الحزن فقط، بل يستحضرون أيضاً التصميم على أن يأتي يوم يُقاد فيه القتلة إلى ساحة العدالة، ويُرد فيه الحق إلى أصحابه.

إن ما جرى في 18 سبتمبر ليس حادثة عابرة، بل محطة فاصلة في مسار الوعي اليمني، لقد علمتنا تهامة أن الشهداء لا يموتون، وأن المشانق مهما ارتفعت تظل أقصر من ذاكرة الشعوب سيبقى عبدالعزيز الأسود ورفاقة التسعة منارات في ليل طويل، تُضيء لنا الطريق نحو فجرٍ قادم، فجرٍ لا مكان فيه لقتلة الحياة ولا لناهبي الكرامة وليعلم القتلة أن الزمن قد يطول أو يقصر، لكن ساعة العدالة قادمة، لا محالة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى