كتابات و اراء

. في زمنٍ ضاع فيه صدى الحقيقة الكلمة بين أمانة الوعي ووباء الزيف

يوسف اليامي

في زمنٍ لم يعد يشبه الأزمنة السابقة، زمنٍ تداخل فيه صوت الصادق مع صدى الكاذب حتى لم نعد نميّز أيهما يسبق الآخر، نجد أنفسنا أمام كارثةٍ لم نكن نتوقعها. لم تعد الحقيقة في متناول اليد كما كنا نعتقد، بل أصبحت كنزاً مدفوناً تحت ركامٍ من الأكاذيب والادعاءات، نبحث عنها بعقولٍ مثقلة وقلوبٍ مرهقة، فلا نصل إلا إلى مزيدٍ من الضياع.

لقد تحولت وسائل الإعلام من نافذةٍ تطل بنا على العالم، إلى جدارٍ يحجب عنا الواقع.

وتحوّل الإعلاميون من حاملي مشاعل الضوء، إلى أعدادٍ غفيرة من “الناشرين العابرين” الذين لا يعرفون عن المهنة سوى أن لديهم حسابًا أو صفحة أو قناة صغيرة. بضغطة زرٍ فقط، يمكن لأي إنسان أن يكتب ما يشاء، أن يقتطع ما يريد، أن يُضيف أو يُشوّه أو يُحرّف، ثم يُلقي بالكلمات في فضاء الإنترنت الواسع، حيث تنتشر بسرعة البرق، فتُصبح في أعين البعض حقيقة مُطلقة، وهي في الأصل كذبة عابرة.

ما أقسى أن ترى الأكاذيب تُزيّن بالعناوين البراقة، وتُقدّم كوجباتٍ سريعة للعقول المتعطشة للمعلومة. وما أشدّ أن ترى الأخبار الحقيقية تُدفن بلا صدى، لأنها لا تثير الجدل ولا تُشعل النيران في القلوب. لقد أصبح المقياس اليوم هو “عدد المشاهدات” و”حجم التفاعل”، لا “صدق الكلمة” ولا “شرف المعلومة”.

إننا نعيش في زمنٍ تتعدد فيه الحقائق كما تتعدد الوجوه، زمنٍ يُمكن أن تجد فيه عشر روايات لقصة واحدة، وكل رواية تناقض الأخرى، حتى تُصاب بالحيرة والشك، فلا تعرف ماذا تصدّق، ولا بأيّ صوتٍ تثق. إن تضليل العقول أخطر من أي سلاح، وتزييف الوعي أقسى من أي هزيمة.

في هذا الضجيج الإعلامي، ضاعت المعايير، وضاعت الأخلاق. أصبح الإنسان لا يهمه إن كان ما ينشره يجرح قلباً، أو يُشوّه سمعةً، أو يُضلّ أمةً بأكملها. المهم أن يكون أول من نشر، أن يسبق غيره ولو بثوانٍ معدودة. وهكذا ماتت الحقيقة على أيدي الذين لم يعرفوا يومًا معناها، أو لم يدركوا أن الكلمة قد تكون حياةً لإنسان، أو موتاً له.

وها نحن اليوم نعيش في عالمٍ يفيض بالكلام، لكنه يفتقر إلى الصدق. ننتقل من منصةٍ إلى أخرى، من تطبيقٍ إلى آخر، نُقلّب الصفحات باحثين عن خبرٍ واحدٍ يُشبه الحقيقة، فلا نجد إلا بقايا كلمات، بقايا أصوات، بقايا صور مشوهة، كلها تتزاحم في عقولنا، فتُثقلها وتتركها بلا يقين.

أي جرحٍ أكبر من أن تعيش في زمنٍ لا يمكنك أن تصدّق فيه أحدًا؟ أي وجعٍ أعمق من أن ترى العالم أمامك مليئاً بالأخبار، لكنك تدرك في قرارة نفسك أن معظمها وهمٌ وزيف؟ هذا الشعور بالخذلان، بالضياع، بالاغتراب وسط فيضٍ من الكلمات الفارغة، هو مأساة هذا العصر الحقيقية.

إننا نحتاج إلى ثورة من الوعي، إلى عودةٍ جادة للضمير، إلى رجالٍ ونساءٍ يعرفون معنى الكلمة، ويقدّرون ثِقلها قبل أن يطلقوها نحتاج إلى أن نتذكر أن الحقيقة ليست وجهة نظر، وليست مادةً للتسلية، وليست سلعةً للبيع والشراء، بل هي حقٌ مقدس، وأمانةٌ ثقيلة، يجب أن تُصان وتحفظ.

فيا أيها الناس، لا تجعلوا من أصابعكم أدواتٍ لنشر الكاذب، لا تساهموا في اغتيال الحقيقة، لا تنساقوا وراء كل ما يقول، تحرّوا، تحققوا، اسألوا، تمهّلوا… فالكلمة قد تُنقذ وطناً، وقد تُسقط أمة.

ولتكن صرختنا جميعًا، في هذا الزمن المظلم، أن نقف في وجه الزيف، أن نرفض الأكاذيب، وأن نرفع راية الحقيقة عالياً…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى