كتابات و اراء

اخي المواطن.. “تصويرك اماكن القصف اخطر من القصف نفسة وخدمة للعدو الإسرائيلي.”

محمد الصلاحي

هذه العبارة ليست نكتة ولا سخرية من مواقع التواصل، بل هي كل ما استطاعت مليشيا الحوثي قوله بعد اسبوع كامل من الصمت والعجز والتجاهل، إثر الكارثة التي خلفتها الغارات الإسرائيلية على مبنى ومحيط التوجيه المعنوي في حي التحرير.

اسبوع من الركام، الدماء، صرخات الأهالي،أوجاع الجرحى الذين لا أحد يعرف عددهم حتى الآن. اسبوع من البحث عن أحبة قد يكونون مدفونين تحت الإسمنت المحترق، بينما المليشيا مشغولة في صياغة بيان تحذيري سخيف يتحدث عن “خدمة مجانية للعدو”!

مليشيا تهرب من الحقيقة

لو كانت هذه المليشيا جادّة في تحمل المسؤولية، لأسرعت منذ الساعات الأولى إلى إنقاذ الضحايا، وانتشال الجثث، وفتح المستشفيات، وإعلان أرقام دقيقة للضحايا.
لكنها لم تفعل، هي فقط تعرف أن تصدر بيانات التحذير وتجرّم الكاميرا.
إنها ببساطة تخشى الصورة أكثر مما تخشى الصاروخ.
الصاروخ يقتل أجساداً، أما الصورة فتقتل ادعاءاتهم ولهذا اختاروا أن يعادوا الكاميرا بدل أن يواجهوا عجزهم.

الكارثة المركبة

الجريمة هنا مزدوجة، بل ثلاثية:

1. جريمة القصف: صواريخ إسرائيلية استهدفت مبنى مدنياً ومنازل مواطنين.

2. جريمة الإهمال: سلطة عاجزة تركت الضحايا تحت الأنقاض اكثر من خمسة أيام، وربما أكثر.

3. جريمة التعتيم: منع الناس من التصوير، واعتبار التوثيق جريمة أشد من القصف نفسه.

هذه ليست مجرد كوارث متتالية، بل منهج حكم كامل: سلطة وُجدت لتعتقل وتنهب وتحرض وتسوق الشباب إلى الجبهات، بينما كل ما يتعلق بخدمة المواطن يُعتبر عبئاً غير مرغوب فيه.

عذر أقبح من ذنب

عندما يقولون إن التصوير “خدمة مجانية للعدو”، فهم في الحقيقة لا يريدون أن يعترفوا بأن العدو الأكبر لهم هو الحقيقة.
هل يحتاج الإسرائيلي إلى صور من مواطن يمني بكاميرا هاتفه ليعرف أنه دمر مبنى كامل وسط صنعاء؟ أم أن الهدف الحقيقي من هذا المنع هو حجب مشهد الإهمال، وفضح انعدام الإنقاذ، وكشف أكوام الجثث التي لم تُنتشل بعد؟

الحقيقة أن هذا الخطاب يكشف خواء المليشيا: هي لم تجد ما ترد به سوى تحويل المواطن إلى متهم، بدل أن تكون هي موضع المساءلة.

سخرية سوداء

لو استمر هذا المنطق، فلا نستغرب إذا خرجت وزارة الداخلية ببيان آخر يقول:

“أخي الجريح: صراخك من تحت الركام خدمة مجانية للعدو.”

“أخي المدفون: خروجك حياً من تحت الأنقاض جريمة كبرى تخدم إسرائيل.”

“أخي المواطن: موتك بصمت واجب وطني يحمي ظهر ايران.”

مليشيا بلا غطاء

هذا التناقض الفج بين الكلام والواقع جعل الناس يطرحون السؤال البديهي: أين هي السلطة المزعومة(المليشيا)؟ أين إمكانياتها؟ أين وعودها؟ وما الذي يمنعها من نشر أرقام الضحايا، أو صور لعمليات الإنقاذ، أو حتى إعلان رسمي صادق؟
لكن لا شيء من ذلك يحدث.
والسبب بسيط: لأنها مجرد مليشيا لا تملك شيئًا لتُظهره سوى الفشل وكلما تعرت أمام الناس، كلما رفعت صوتها بالتهديد.

الكاميرا أقوى من الصاروخ

اليوم في صنعاء، لم تعد القضية فقط قصفاً إسرائيلياً، بل قمعاً داخلياً يضاعف الألم، وإذا كانت إسرائيل قد استهدفت مبانٍ بالإسمنت والحديد، فإن سلطة صنعاء تستهدف العقول والألسنة والعيون.
منع التصوير هنا لا يحمي أحدًا، بل يزيد من حدة الجرح ويعمق فقدان الثقة لأن من يخاف من الصورة، هو حتماً شريك في الجريمة.

في النهاية، لم يعد هناك شك: الجريمة ليست فقط في القصف، بل في التعتيم الجريمة ليست في سقوط المبنى، بل في سقوط السلطة والعدو الحقيقي للمواطن اليوم ليس فقط من قصف منزله، بل أيضاً من منعه من أن يصرخ ويشهد على ما جرى.

مليشيا الحوثي تريد أن تُقنع الناس أن الكاميرا هي العدو لكن الحقيقة أن الكاميرا اليوم هي السلاح الوحيد المتبقي في يد المواطن ليفضح عجزهم، وليقول للعالم: هنا كارثة، هنا ضحايا، وهنا مليشيا لا تجيد إلا أن تكمم الأفواه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى