كتابات و اراء

اغتيال الرهوي.. ضربة إسرائيلية تهزّ الحوثيين وتحرج إيران

محمد الصلاحي

أحدثت الغارة الإسرائيلية على صنعاء، التي أسفرت عن مقتل رئيس الحكومة الحوثية غير المعترف بها أحمد غالب الرهوي وعدد من وزرائه، زلزالاً سياسياً وأمنياً في اليمن والمنطقة فقد سارعت الجماعة إلى الاعتراف بالحادثة على نحو غير مألوف، بينما انهالت بيانات التعزية من مختلف مؤسسات النظام الإيراني، بدءاً بالحرس الثوري ومروراً برئاسة الجمهورية ووزارة الخارجية والجيش، وصولاً إلى مجلس الشورى والسلطة القضائية مشهد غير عادي يعكس حجم الخسارة التي مُني بها حليف طهران الأبرز في اليمن.

هذه الضربة حملت رسائل أمنية بالغة الدلالة فنجاح إسرائيل في استهداف رأس السلطة التنفيذية للحوثيين في قلب صنعاء يشي باختراق استخباراتي عميق، ويكشف هشاشة منظومة الحماية التي يفاخر الحوثيون وإيران بتطويرها كما أن مقتل عدد من الوزراء إلى جانب الرهوي يضاعف من حجم الخسارة، إذ يفقد الحوثيون دفعة واحدة جزءاً من بنيتهم السياسية، في لحظة هم بأمسّ الحاجة فيها إلى تثبيت حضورهم كقوة أمر واقع هذا الفراغ قد يفتح الباب لصراعات بين الأجنحة الداخلية، لاسيما بين التيار الأمني/العسكري بزعامة مهدي المشاط، والجناح الدعوي والسياسي بقيادة محمد علي الحوثي.

أما إيران، فقد وجدت نفسها في موقف بالغ الحرج. فبينما تسعى لتقديم نفسها كحامية لمحور المقاومة الممتد من العراق إلى لبنان وغزة، تلقّت ضربة مباشرة في خاصرتها الجنوبية عبر استهداف أبرز واجهاتها السياسية في صنعاء.

كثافة بيانات التعزية التي صدرت عن مختلف أجهزة الدولة الإيرانية ليست مجرد تعبير عن الحزن، بل محاولة لتغطية حالة الارتباك وإظهار جبهة متماسكة، في وقت يدرك فيه قادة طهران أن نفوذهم في اليمن مهدد بالانكشاف. من المرجح أن ترد إيران بتكثيف الدعم العسكري والتقني للحوثيين، وربما عبر تحسين قدرات الطائرات المسيّرة والأمن الوقائي، لتعويض الخسارة وإرسال رسالة بأن المحور ما زال متماسكاً.

داخلياً، اختارت الجماعة الحوثية التعامل مع الحادثة ببرود رسمي لافت؛ فلا إعلان حداد ولا تنكيس أعلام، على خلاف ما فعلت مراراً عند مقتل شخصيات إيرانية أو قادة من “حزب الله”. هذا التجاهل يشي بارتباك في كيفية تسويق الحادثة لجمهورها، ويكشف خشية من أن يُفهم الإعلان الرسمي على أنه إقرار بالهشاشة في المقابل، يتوقع مراقبون أن تعمل الجماعة خلال الفترة المقبلة على إعادة ترتيب هرم السلطة عبر تشكيل قيادة بديلة أو لجنة تسيير، مع منح الأجهزة الأمنية نفوذاً أوسع على حساب الواجهة السياسية.

إقليمياً، تأتي الضربة في سياق أوسع من المواجهة بين إسرائيل ومحور إيران فهي ليست مجرد عملية في صنعاء، بل جزء من استراتيجية متعددة الجبهات تتقاطع مع معارك غزة والتوتر في جنوب لبنان والعراق بالنسبة للسعودية، قد تمثل الضربة فرصة لإعادة صياغة شروط التفاوض مع الحوثيين من موقع أقوى، بينما يواجه المجتمع الدولي مأزقاً جديداً يتمثل في غياب شريك سياسي واضح على الجانب الحوثي، في وقت تحاول فيه الأمم المتحدة دفع العملية السلمية إلى الأمام.

أما المستقبل، فالمشهد مفتوح على عدة سيناريوهات. الحوثيون قد يلجأون إلى تصعيد محسوب، عبر هجمات رمزية بالطائرات المسيّرة أو عمليات بحرية في البحر الأحمر، لإظهار الرد دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة في الوقت ذاته، ستسعى الجماعة إلى إعادة هيكلة قيادتها الداخلية بما يضمن تماسك الجبهة، ولو على حساب مزيد من عسكرة القرار السياسي.

إيران قد تعزز دعمها النوعي لتعويض الخسارة، فيما ستواصل إسرائيل إرسال رسائل ردع عبر ساحات متعددة وهناك أيضاً احتمال أقل ترجيحاً بأن تفتح هذه الضربة نافذة تفاوضية جديدة، إذا ما قررت الأطراف الإقليمية استثمار الضغط على الحوثيين لانتزاع تنازلات في ملفات إنسانية وأمنية غير أن الاحتمال الأخطر، وإن كان ضعيفاً، هو انزلاق المواجهة إلى مستوى أوسع يهدد الملاحة في البحر الأحمر ويزيد من اضطراب الاقتصاد اليمني.

في المحصلة، اغتيال أحمد الرهوي وعدد من وزرائه لم يكن مجرد ضربة عسكرية، بل حدث مفصلي يعيد رسم موازين القوى داخل اليمن ويحرج إيران أمام حلفائها وخصومها معاً وبينما يحاول الحوثيون إظهار التماسك، تكشف الوقائع عن اهتزاز غير مسبوق في بنيتهم السياسية والأمنية الضربة جاءت لتؤكد أن الصراع اليمني لم يعد شأناً محلياً، بل ساحة من ساحات حرب المحاور التي تعيد تشكيل خريطة النفوذ في المنطقة.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى