
الغارة الإسرائيلية الأخيرة على صنعاء، والتي أودت بحياة رئيس حكومة الحوثيين الرهوي وعدد من وزرائه، صدمة سياسية وإعلامية واسعة، ليس فقط بسبب حجم الخسائر، بل لما كشفت عنه من طبيعة البنية الداخلية للجماعة فبينما نجا رموز الدائرة العقائدية والعائلية الضيقة، طالت الضربة مسؤولين يُنظر إليهم كـ”وجوه شكلية”، وهو ما فجر اتهامات بأن الجماعة ضحت بهم أو تركتهم مكشوفين أمام التهديدات، انسجاماً مع نمط تاريخي في إدارة السلطة قائم على الولاء والقرابة لا على الكفاءة أو المنصب.
تغيّب الأسماء الثقيلة وحضور الصف الثاني
التقارير الصحفية، خصوصاً الشرق الأوسط، أشارت إلى أن وزراء وقيادات من الصف الأول تغيبوا عن الاجتماع المستهدف، منهم نائب رئيس الحكومة محمد مفتاح، ووزير الداخلية عبد الكريم الحوثي – عم زعيم الجماعة –، ووزير الدفاع محمد العاطفي، ووزير المالية عبد الجبار الجرموزي. في المقابل، حضر وزراء آخرون أقل وزناً سياسياً، ليلقوا مصرعهم. حتى عبد الكريم الحوثي نفسه لم يحضر، مكتفياً بإرسال نائبه عبد المجيد المرتضى، الذي كان ضمن الضحايا. هذا الترتيب أعاد إلى الأذهان سيناريوهات سابقة، حيث يُترك الصف الثاني في واجهة المخاطر بينما يتم تحييد الصف الأول.
دوائر الولاء داخل الجماعة
البنية التنظيمية للحوثيين يمكن قراءتها وفق ثلاث دوائر رئيسية:
1. الدائرة العقائدية والعائلية الضيقة: تضم عبد الملك الحوثي وإخوته وأبناء عمومته، وهي صاحبة القرار الفعلي في الشأنين العسكري والسياسي.
2. الدائرة العسكرية والأمنية: تشمل قيادات مرتبطة بالقرار العقائدي، لكنها تحظى بوزن تنفيذي وتتمتع بحماية مضاعفة.
3. الدائرة السياسية – الشكلية: تضم وزراء ورؤساء حكومات يعيَّنون لأغراض التمثيل وإدارة الشأن اليومي، لكنهم يُعاملون كأدوات قابلة للاستبدال أو التضحية.
هذا الهيكل يعكس عقلية “المركز والهامش” داخل الجماعة، حيث تُحاط القيادة العقائدية بحصانة قصوى، بينما يترك الباقون مكشوفين.
الخلفية التاريخية: من الإقصاء إلى الاستبدال
هذه ليست المرة الأولى التي يظهر فيها هذا النمط. خلال السنوات الماضية:
حكومة عبد العزيز بن حبتور: عُرف أنها كانت مجرد واجهة سياسية بلا صلاحيات حقيقية، بينما كانت القرارات تُصنع في “المكتب السياسي” و”المكتب التنفيذي” المرتبط مباشرة بعبد الملك الحوثي.
إقصاء شخصيات حليفة: كثير من الشخصيات غير المنتمية للسلالة الحوثية، ممن انخرطوا في الجماعة بداية الحرب، جرى تهميشهم تدريجيًا أو إقصاؤهم، مثل قيادات من حزب المؤتمر الشعبي العام بعد مقتل الرئيس السابق علي عبد الله صالح.
التخلص من الحلفاء: حوادث سابقة أظهرت أن الحوثيين لا يترددون في التضحية بحلفائهم أو دفعهم إلى الواجهة لمواجهة التهديدات، فيما يظل القرار والسلطة بيد الدائرة العقائدية.
استهتار محسوب أم استراتيجية مقصودة؟
يتباين التفسير بين من يرى أن ما حدث مجرد استهتار أمني في توقيت حساس، ومن يرى أنه جزء من استراتيجية أعمق. فالجماعة اعتادت – بحسب سياسيين يمنيين – تحويل خسائرها البشرية من الصف الثاني إلى أوراق ضغط، تستخدمها في:
المزايدة السياسية والدعائية: تقديم الوزراء القتلى كـ”شهداء العدوان”، ما يعزز سردية “المظلومية”.
تلميع القيادة العليا: إبراز عبد الملك الحوثي كرجل محاط بالمخاطر لكنه “ينجو” بفضل “الحماية الإلهية”، وهو خطاب متكرر في خطاباته التعبوية.
إعادة توزيع المناصب: مقتل وزراء من الصف الثاني يتيح للجماعة إعادة تشكيل الحكومة على نحو يكرس الولاءات الجديدة ويقصي أي أصوات مغايرة.
انعكاسات على الداخل الحوثي
مقتل الرهوي و وزرائه يعمق الفجوة بين “الواجهة السياسية” و”القيادة الفعلية”، ويضعف الجناح السياسي لصالح الجناح العسكري والأمني كما يعزز الانطباع بأن البقاء داخل دائرة الثقة مرهون بالانتماء العائلي أو الولاء العقائدي الصارم، لا بالمؤهلات أو المناصب.
الغارة الإسرائيلية الأخيرة لم تكشف فقط هشاشة الوضع الأمني في صنعاء، بل عرّت أيضاً البنية الداخلية لجماعة الحوثي، التي تضع دائرة القرابة والولاء فوق أي اعتبارات مؤسسية التضحية بالمسؤولين غير العقائديين – أو تركهم مكشوفين – ليست حادثة عابرة، بل امتداد لنمط متكرر في إدارة السلطة يقوم على الاستبدال والتهميش والإقصاء. وهكذا، فإن ما جرى قد لا يكون مجرد خسارة لوجوه سياسية، بل إشارة على تحول أعمق في ميزان القوى داخل الجماعة، حيث يتأكد يوماً بعد آخر أن القرار لا يتجاوز بيت الحوثي ودائرته المغلقة.



