
في وطنٍ تناثر مثل الزجاج تحت أقدام الطامعين، وطنٍ مزقته المليشيات، وأتعبته سلطةٌ عاجزة لا تجيد سوى الصمت، خرج رجل من بين تراب الريف التعزي، لا يملك من الزاد سوى إيمانه البسيط بالوطن، ولا يملك من الحماية سوى صلابته الداخلية التي تشبه صلابة الجبال لم يكن ابن حزب، ولا أداة لمحور، ولا تابعاً لجهة، لكنه امتلك ما هو أخطر على كل هؤلاء: امتلك حلم الدولة، ذلك الحلم الذي صار تهمة في زمنٍ صار فيه الولاء للحزب أكبر من الولاء للوطن.
كان العميد عدنان الحمادي استثناءً في زمن الانكسار، قائدًا لم يعرف المساومة ولم يتقن لعبة البيع والشراء في سوق الدماء. حين هبّت عاصفة الحرب مع الحوثيين، لم يكن في المقاعد الخلفية يساوم باسم المقاومة، ولم يقايض تضحيات الناس بمكاسب صغيرة، بل كان هناك في مقدمة الصفوف، يحمل بندقيته بصدق، ويبني لواءه كمدرسة في الانضباط والولاء للمؤسسة العسكرية، لا كذراع لسياسة حزبية أو امتداد لأجندة إقليمية ولهذا أحبه جنوده حبًّا نادراً، ورآه المواطنون أملاً يمشي بينهم، وخشيه خصومه لأنهم أدركوا أنه يملك ما لا يملكون: الشرعية التي يمنحها الصدق وحده.
لكن هذه المحبة نفسها كانت حكم الإعدام عليه ففي مدينة اختُطفت مؤسساتها، وصارت السلطة فيها لعبة بأيادٍ حزبية متشابكة، بدا وجود الحمادي ثقيلاً على مراكز النفوذ فالرجل الذي لا يمكن ترويضه، ولا يمكن شراؤه، صار مرآة تكشف عريهم أمام الناس. لم يعودوا قادرين على احتماله، لأن مشروعه كان أكبر من مقاساتهم الضيقة، وأصدق من شعاراتهم المتهالكة.
وفي لحظة صدق، نطق كلمته الشهيرة: “من يحكمون تعز ليسوا رجال دولة”. لم تكن العبارة توصيفًا سياسيًا باردًا، بل كانت صرخة تلخص وجع مدينة بكاملها. كانت أشبه بطلقة صدق خرجت من فم قائد عسكري يعرف تفاصيل الميدان، ويشاهد كيف تتحول الدماء إلى سلعة رخيصة بهذه الكلمات، وضع الحمادي إصبعه على الجرح، فضح اللعبة كلها، فصار عدوًّا داخلياً لا يقل خطورة على خصومه من الحوثي ذاته.
ثم جاءت الرصاصة لكنها لم تكن مجرد رصاصة طائشة، بل قراراً صريحاً بالتصفية أرادوا أن يقنعوا الناس أن الأمر خلافٌ عائلي أو نزاع شخصي، لكن الحقيقة كانت أبسط وأكثر إيلامًا: لقد قُتل لأنه كان مشروعًا، ولأن مشروعه لم يكن يساوم على الدولة. قُتل بغطاء حزبي وتواطؤ إقليمي، قُتل بقرارٍ مكتوب في سراديب المصالح، ثم جرى تغطيته بسردية ركيكة لا تنطلي على أحد.
ولم يتوقفوا عند الجريمة الأولى. فالاغتيال لم يكن رصاصة واحدة، بل سلسلة من الرصاصات المتواصلة. فبعد أن سقط الحمادي، شرعوا في تفكيك لوائه، وإدخاله في صراعات داخلية، وإفراغه من مضمونه، وكأنهم يخشون من أن ينهض مشروعه من بين أنقاضه لم يكتفوا بقتل القائد، بل قرروا قتل إرثه العسكري، لأنهم كانوا يدركون أن اللواء 35 مدرع، ما دام يحمل بصمته، سيظل عقبة في طريق هيمنتهم.
الأسئلة كانت معلقة على أفواه الناس: من المستفيد من قتله؟ والإجابات كانت أوضح من أن تُخفى. القيادات الحزبية التي أرعبها استقلاله رأت في غيابه فرصة ذهبية لتوسيع قبضتها. القوى الإقليمية التي لم تكن مرتاحة لوجود قائد مستقل لا يتبع إملاءاتها، رأت في إزاحته تأميناً للعبة النفوذ بلا صداع منظومة الفساد التي أرادت أن تُرهب الجميع، أرسلت من خلال دمه الرسالة الأوضح: كل من يفكر أن يكون حراً، كل من يحلم بدولة، فمصيره التصفية.
ومع ذلك، لم ينجحوا. فالرصاص قد يقتل الجسد، لكنه لا يقتل الحقيقة. وكلما تكشفت فضائح الفساد، وكلما ازداد نزف المدينة من جراحها، يعود صوته يتردّد في وجدان الناس: “من يحكمون تعز ليسوا رجال دولة”. كأن صدى الجملة أثقل من الرصاصة، وكأن حضوره في الذاكرة أشد وقعاً من غيابه في الجسد لقد أرادوا إسكاته، فإذا به يتحدث أكثر. أرادوا محوه، فإذا به يُخلّد.
عدنان الحمادي لم يكن شخصًا عابراً في دفتر الحرب اليمنية، بل كان صفحة مضيئة في كتاب امتلأ بالسواد. لقد اغتيل لأنه كان مشروعًا أكبر من مصالحهم، وأوسع من محاورهم، وأنقى من ألعابهم. قتلوه بالرصاصة، قتلوه بالصمت، قتلوه بتشويه إرثه العسكري، لكنهم لم يستطيعوا أن يقتلوه في قلوب الناس سيظل حيّاً كجبل لا تهزه الرياح، وكشجرة لا يذبل خضارها.
إن دم الحمادي لم يكن مجرد دمٍ أريق، بل كان وعداً مؤجلاً بأن الدولة التي حلم بها ستولد يوماً، وأن تعز، مهما طال خطفها، ستتحرر يومًا من بين أنياب رجال المصالح. لقد كان شهيد الدولة المفقودة، وسيبقى وصمة عار على جبين من تآمروا وصمتوا، وبوصلةً أخلاقيةً تشير دوماً إلى الطريق الصحيح: أن الخلاص يبدأ من حيث وقف الحمادي، من حيث ينبت الحلم البسيط الذي تحول في زمن الرداءة إلى جريمة كبرى — الحلم بدولة.



