كتابات و اراء

دم الأبرياء يغسل علم الوطن

تيار نيوز- محمد العزاني

عن اليمن المتعب المُثقل بالأوهام والتاريخ، الجريح من كل الجهات، أتحدث، عن بلدٍ قيل إنه مهد الحضارات، بينما يعاني اليوم من حاضر هشّ، مشلول، لا يمتّ بصلة إلى مجدٍ غابر بلدٌ تتكسر ملامحه في كل زقاق، ويُسحق ناسه في كل منعطف، كأنهم أبناء وطنٍ بلا كرامة بلا حقوق بلا مستقبل.

 

في اليمن يتقاسم الشيخ جرحه مع الحجر، وتتحول المعالم إلى أطلال، ويعيش المواطن في متاهة الحرمان المزمن، هنا لا يجد الطفل حليب أمه، ليس لفقرٍ فقط، بل لأن تلك الأم غُيّبت بالقوة، سُرقت منها الحياة على يد أبناء جلدتها ممن تحوّلوا إلى أدوات للخراب وقتلة بلا ذاكرة، يُنفّذون أجندات تتقاطع كلها عند نقطة واحدة، سحق الإنسان اليمني.

 

شعبٌ بأكمله صار رهينة داخل بئرٍ مظلم حفره له الحاكم والوزير. خرج عن خارطة اهتمام الداخل والخارج، وتُرك يتخبط بين الموت جوعًا أو الموت قصفًا، ملايين من البشر باتوا يعيشون في حالة إذلال مريعة، في ظل تشريد وتفكيك ممنهج وتقسيم لا نهاية له، كلمات مثل “تحرير”، و”نصر”، و”وحدة” تحوّلت إلى شعارات جوفاء يتستر خلفها من لا يعرفون من الوطن سوى اسمه.

 

اليوم من يتحدث باسم اليمن ليس من يعيش فيه، بل من يقيم خارجه ويقرر مصير الداخل عن بعد بأجنداتٍ مرتبطة بالمصالح لا بالمبادئ، في كل مفصل من مفاصل الدولة، تتموضع مجموعة من المنتفعين، ينهبون ما تبقى من عرق هذا الشعب، فالموظف يُسلب راتبه، والجندي يُدفع للجبهات دون كرامة، والمواطن يسير في شوارع الحزن والخذلان دون أمل. في المقابل، تتكدس الثروات في جيوب من لا يشعرون بالجوع ولا يحسون بمرارة الحرمان.

 

الوزارات والقصور تحوّلت إلى مزادات للمناصب والصفقات، والسفارات إلى مساحات للهروب من المسؤولية والحوارات إلى مسارح هزلية، يعتليها ممثلون فاشلون لا يملكون لا قرارًا ولا ضميرًا، لا وقت لديهم لمعاناة الشعب، فهم مشغولون بحسابات الصرف وأسعار العملات، بينما المدن تئن، والقرى تموت عطشًا والأطفال يبكون من الجوع.

 

في بلدٍ بات فيه الراتب حلمًا بعيد المنال، أصبح الموظف يستجدي يومًا دون ذل، ولقمة دون منّة، لا أحد يسأل كيف يعيش من لا دخل له؟ كيف يصمد الأب أمام صرخات أطفاله؟ بل كيف يشرح لابنته أن الجوع ليس ذنبه؟ مأساة يتكرّر مشهدها، إلى أن تتبدل من صبر إلى انتحار، كما حدث مع من قرر أن يُنهي حياته وأسرته، لأنه لم يعد يحتمل وصمة الفقر التي باتت تلاحقه في مرآة عيون أطفاله.

 

ليس هذا ضعف إيمان، كما يحاول أن يبرّر عديمو الضمير بل واقع مأساوي سحق الكرامة وأجهز على الصبر. فمن يجوع لا يفكر كثيرًا بالنصوص بل بالبقاء.

 

ثمانية وأربعون عامًا من الصوم عن السعادة، اليمني يعيش تحت سلطة حاكمٍ دون حكم، وتحت عدوٍ لا يُخفي بطشه، وحليفٍ لا يرحم في نهارٍ بلا نور، وبؤسٍ مستمر لا يعرف نهاية، وكلما حاول الحلم أن ينهض جاء من يسحقه تحت قدم الخيانة أو الفشل أو اللامبالاة.

 

في اليمن الرب لا يظهر في قرارات القادة، ولا في مصائر الناس، الرب هنا مغيّب يُستدعى فقط في الخطب والتصريحات. بينما أصحاب القرار يتنقلون بين الفنادق، يجتمعون في قاعات مكيفة بعيدًا عن تراب الوطن يحملون في جباههم أسماء بلاد لا يعرفون عنها سوى كيف تُنهب، وكيف يُصادر أمل أبنائها.

 

هذا ليس نصًا عاطفيًا بل شهادة مؤلمة على وطنٍ يُسلب منا كل يوم وشعبٍ يُراد له أن يختفي تحت ركام الفقر والقهر، ولا أحد يسأل إلى متى؟ ولا أحد يملك الشجاعة ليجيب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى