كتابات و اراء

المجلس الانتقالي الجنوبي.. حامل سياسي أم شركة مساهمة مقفلة؟

فتحي بخضر  

 

تُطرح القضية الجنوبية، في جوهرها، باعتبارها قضية شعبٍ واسع ومتعدد التكوينات. غير أن هذا التعدد لم يجد تمثيلاً متوازناً داخل بنية المجلس الانتقالي، الذي بدا عاجزاً عن استيعاب هذا التنوع أو تحويله إلى إطار جامع يعكس مكوناته المختلفة. وبدلاً من أن يتشكل كحاضنة سياسية مفتوحة، تبلور في صورة كيان محدود البنية، أقرب إلى تنظيم مغلق، لا يتجاوز أثره دائرة ضيقة من المنتمين إليه، وهي دائرة لا تمثل سوى نسبة محدودة من المجتمع.

ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة تعاطيه مع “القضية” بوصفها إدارةً لموردٍ سياسي يُعاد توظيفه، لا تمثيلاً شاملاً لتطلعات مجتمع متنوع. فبدلاً من أن تكون القضية إطاراً لتجميع القوى وتوحيد الصوت، تحولت إلى وعاء نفوذ تُعاد من خلاله صياغة المصالح وتوزيع الامتيازات بما يضمن استمرار الكيان ومن يدور في فلكه، مقابل اتساع رقعة التهميش خارج هذه الدائرة. ويكفي النظر إلى التعيينات وإعادة توزيع المواقع داخل مفاصل صنع القرار المرتبطة به، حيث يتكرر حضور أسماء ومناطق بعينها في مواقع التأثير ضمن حلقة ضيقة من الفاعلين، في مقابل غياب تمثيل فعلي لتكوينات اجتماعية وسياسية أوسع. ويعكس ذلك نمطاً مغلقاً في إدارة المجال السياسي.

قد يُقال إن المجلس، بحكم ظروف النشأة وتعقيدات المرحلة، لا يستطيع استيعاب هذا التنوع دفعة واحدة، وأن بناء التمثيل مسار تدريجي تفرضه موازين القوة. غير أن ما يظهر على الأرض لا يعكس توسعاً بقدر ما يؤشر إلى تثبيت بنية محدودة، تُعاد إنتاجها عبر آليات داخلية تحافظ على تمركز النفوذ ضمن حيّز ضيق، بدلاً من توسيع قاعدة المشاركة أو تطوير تمثيل يعكس التعدد الاجتماعي القائم.

ومع ما أتاحته القضية من ثقلٍ سياسي، تمكن المجلس من الدخول في ترتيبات وشراكات مع أطراف كان يصنفها في خطابه السابق ضمن خصوم مطالب الجنوبيين. غير أن هذه الشراكات، وما رافقها من إعادة توزيع للمكاسب، لم تنعكس بصورة عادلة على عموم المجتمع، بل بقيت محصورة ضمن نطاق محدود. وفي هذا السياق، يظل حق التعبير والتظلم مبدأً مفترضاً، غير أن هذا الحق نفسه بات مهدداً مع تضييق المجلس لمساحات النقاش العامة، وإمعانه في تقييد قدرة المجتمع على التعبير عن مطالبه، بما لا ينسجم مع طبيعة الشراكات القائمة.

وفي ظل هذا الواقع، لا تبدو الأزمة مجرد خلل في التمثيل، بقدر ما هي اختلال في وظيفة القضية نفسها، بعد أن انتقلت من كونها إطاراً جامعاً إلى أداة تُدار ضمن حدود ضيقة. ومن هنا تبرز تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذا التمثيل وحدوده، وحول ما إذا كانت القضية قد تحولت من وسيلة للتعبير عن المطالب إلى إطار يُدار بمنطق الشراكة المحدودة، حيث تتقاسم الأطراف الفاعلة النفوذ والمكاسب، بينما يُترك المجتمع لمواجهة تحدياته اليومية دون تمثيل فعلي يعكس وزنه الحقيقي أو يضمن له حقه في التعبير والتظلم.

هذا ما يعيد طرح السؤال الأول، ليس بوصفه عنواناً، وإنما لكونه واقعاً قائماً يعكس طبيعة المجلس فعليًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى