إعلانات “برنس” بين فخ الاستفزاز وسقوط الهوية: هل يبرر “التريند” إهانة الوقار المجتمعي؟
حنين السلامي

في الوقت الذي تتسابق فيه الشركات لخلق صورة ذهنية راقية تربط منتجاتها بالقيم النبيلة، اختارت شركة “برنس” للحفاظات والمناديل أن تغرد خارج السرب، ليس عبر التميز، بل عبر “الصدمة” التي لامست حدود السخرية من الموروث الاجتماعي. فمنذ إعلان رمضان 2025 وحتى اليوم، تضعنا الشركة أمام تساؤل جوهري: هل ضاعت بوصلة الإبداع الإعلاني في اليمن لدرجة اللجوء إلى “التهريج” كبديل عن المحتوى الهادف؟
لقد أثار الإعلان الأخير موجة غضب واسعة، ليس بسبب جودة المنتج، بل بسبب “الصورة المشوهة” التي قُدم بها الرجل اليمني. إن ظهور الرجال بملابس توصف بأنها “كرتونية”، وارتداء كرفاتات ضخمة مع الرقص بطريقة لا تليق بوقار الشخصية اليمنية، يمثل انفصالاً تاماً عن الواقع. فالمجتمع اليمني الذي يعتز بالرجولة والرزانة كقيم أساسية، وجد نفسه أمام مشهد يختزل الأبوة والمسؤولية في صورة “مهرج” يرقص من أجل الترويج لمنتج.
لم يقف الإخفاق عند الأداء التمثيلي، بل امتد إلى “الهوية البصرية” للشركة. إن الإصرار على صبغ الإعلان ومنتجات المناديل باللون “الوردي الفاتح”، وإلباس الرجال بدلات بهذا اللون، يعكس تخبطاً فنياً واضحاً. ففي الثقافة المحلية، لا يمثل هذا اللون رمزية مقبولة للرجل، بل يُعد خروجاً مستهجناً عن المألوف. هذا التوحيد اللوني الفج، مع ضعف التنسيق في المونتاج، جعل الإعلان يبدو وكأنه “عمل بدائي” يتعمد القبح ليثير الجدل، عوضاً عن تقديم جمالية بصرية تجذب المستهلك.
يبدو أن القائمين على علامة “برنس” يتبعون بوعي تام نظرية “الترويج العكسي”. فالتكرار المتعمد لنفس الفكرة المستفزة هذا العام يؤكد أن الشركة لا تعبأ بالانتقاد أو “السب” الذي طالها، بل تعتبره نجاحاً طالما أن اسم المنتج يتردد على كل لسان. إنها تبيع “الضجيج” لا الجودة، وتستغل غيرة المجتمع على قيمه لتحويلها إلى “مشاهدات” وتفاعلات رقمية، وهو أسلوب تسويقي “رخيص” يضحي بسمعة العلامة التجارية على المدى البعيد مقابل شهرة لحظية.
كلمة أخيرة
إن النجاح الذي يحققه إعلان “برنس” من خلال إثارة الغضب هو نجاح وهمي ومؤقت. فالشركات الكبرى تُبنى بالثقة والاحترام المتبادل مع المستهلك، وليس بتحويل “القيم المجتمعية” إلى مادة للسخرية. كان الأجدر بشركة “برنس” أن تروج لمنتجاتها بطريقة تليق ببيئتها، بدلاً من الانزلاق إلى مستنقع “التريند” الذي يمحو الهوية ويهمش الوقار من أجل حفنة من المبيعات.



