كتابات و اراء

تراحموا.. بين نبض الإنسانية وانتهاك الكرامة

هديل الخالدي

في زمن تتسابق فيه الشاشات على استدرار الدموع، يبقى برنامج “تراحموا” واحداً من أبرز المبادرات الإنسانية اليمنية التي لا يمكن إنكار أثرها. فمنذ انطلاقته، استطاع أن يلمس جراحاً حقيقية، وأن يوصل مبالغ غيرت حياة عائلات كانت على حافة الهاوية. القائد الملهم عبد الملك السماوي وفريقه يستحقون التقدير على ما يبذلونه من جهد وتعب، وعلى روحهم التي لا تعرف الكلل.

لكن، وهنا مربط الفرس، هل العمل الإنساني حقاً يحتاج إلى كاميرات تصور الأسرة بأكملها كأنها “قوارير بيبسي” مصطفة في مشهد إذلالي؟

لِمَ يتم عرض أفراد الأسرة المستفيدة بالكامل؟ الأب، الأم، الأطفال، حتى الرضيع؟ لِمَ لا يُصوَّر رب الأسرة فقط توثيقاً للمصداقية؟ الإجابة واضحة: لأن المشهد البصري الأكثر إيلاماً . طفل يبكي، أم منهكة تنظر إلى الأرض، أب منكسر لا يرفع رأسه. هذه لقطات تحقق مشاهدات، ومشاهدات تعني استمرار البرنامج وجذب رعاة جدد. والسؤال الذي لا يجرؤ أحد على طرحه: من المستفيد الأكبر؟ الفقير الذي يأخذ مبلغاً لمرة واحدة، أم البرنامج الذي يأخذ صورته ليستثمرها سنيناً؟

وهنا النقطة الأكثر إشكالية: المساعدة التي تُدفع للأسرة تنتهي في أيام أو أسابيع، لكن صورتها تبقى محفوظة على يوتيوب لسنوات. بعد سنوات من الآن، سيبحث أحدهم عن “تراحموا” على الإنترنت، وستظهر له وجوه هؤلاء الناس. أولادهم الذين كانوا صغاراً سيرونها، جيرانهم سيرونها، زملاؤهم في المدرسة أو الجامعة سيرونها. صورة الأب وهو يبكي، صورة الأم وهي تمد يدها، ستبقيان شاهدين أبديين على لحظة ضعف لم يختارا أن تكون علنية بهذا الشكل. هل وافق هؤلاء الناس على أن تبقى صورهم متداولة إلى الأبد؟ أم أنهم وافقوا تحت ضغط الحاجة، وهم في قمة ضعفهم الإنساني؟

لا أحد يشكك في نوايا القائمين على البرنامج. عبد الملك السماوي بلا شك شخصية إنسانية محبوبة، وفريقه يعمل بجد. لكن النوايا الطيبة لا تكفي لتبرير ممارسة خاطئة. الفرق بين الإغاثة والاستغلال دقيق جداً: الإغاثة تعطي المحتاج ما يحتاجه وتحفظ كرامته وتستر حاله، بينما الاستغلال يعطي المحتاج شيئاً ثم يأخذ منه صورته وضعفه وحاجته كسلعة تُسوق بها نفسك لسنين.

اليمن بحاجة ماسة إلى برامج إنسانية، لكن ليس بأي ثمن. يكفي أن نصور رب الأسرة فقط للتوثيق إن كان لا بد من تصوير، وألا نعرض النساء والأطفال أبداً، وأن نحذف الحلقات القديمة بعد مدة معينة أو نزيل صور المستفيدين بعد انتهاء الموسم، وأن نجعل المتبرع يرى بعين قلبه لا بعين كاميرته.

هل يستمر البرنامج في فعل الخير؟ نعم. لكن هل يمكنه أن يفعل الخير دون أن يذل؟ أيضاً نعم. نحن لا نطلب إيقاف تراحموا، نحن نطلب تراحموا الذي يرحم الفقير أولاً من نظرات الناس ثم من جوعه. لأن كرامة الإنسان ليست سلعة، ولأن الدمعة عندما تصبح “ترينداً” فإنها تفقد معناها الإنساني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى