كتابات و اراء

إبراهيم، طفل قتلته المليشيا أمام مدرسته

إبراهيم الجهلاني

العمر ليس على مقاس أحلامنا الفضفاضة يا إبراهيم،
والأيام اقتُلِعَت من روزنامة وقتنا القصير؛
لذا تزحلقت الحياة من أكمامنا صُبحًا إلى مثانة الحرب.
كان يلزمنا أن نتوخى الحذر بالغًا يا صَغيري، فهذه البلاد ملعونةُ الأجل والمشيئة..
كان يلزمنا الكثير من الأقدار المدنِيَّة، لِنَعيش.. فَخَلْف التلال عيون، خَلْفُ التلال مليشـ ـيا الإجـ ـرام..
كان علينا أن لا نأمنهم حتى على طفولتنا، فالسلاليون لا يؤتمنون.

أإبراهيم، الرصاصة التي قتـ ـلتكَ؛ تالله قد قتَـ ـلَتني مِن اسمي.
نحن متماثلان في كل شيء، في اسمينا… في الوجع.. وفي المصير…
فما أشبهنا في الاسم.! وما أشبهنا في الموت.!
أإبراهيم،
قد قُتِلـ ـنا نعم، فلنا الرثاء… ولقاتـ ـلينا المقابر..!
لا أقذر من هذه الجماعة المارقة التي تمتهن قتـ ـلَ النساء والأطفال.!
جماعةٌ إرهابـ ـيةٌ بَحتَة، مصابةٌ بِسُعارٍ حاد..
إنهم عديمو الرحمة، فاقدو الشَّرف، أعداء الإنسانية..
القادمون من وحشية السافانا وغياهب الكهوف، الذاهبون زُورًا نحو تلفيق التَّهَم.. القاصدون ظُلمًا ازهاق الأرواح..
مَن قتلوا اليوم هذا الطفل إبراهيم عمدًا وهو عائدٌ مِن المدرسة، تمامًا كما قَبْلهُ الكثير، وبِالطبعِ لن يكون هو الأخير..

إنهم الجبناء من ذقن النذالة حتى أخمص الدَّنَس…
إبراهيم، طفلٌ كان يحلم أن يصبح طبيبًا لينقذ أرواح الضحايا،
فإذا به اليوم _ بين عقلٍ مليـ ـشاويٍّ وضغطةِ زناد _ يجد نفسه هو الضحية..
هذه المليشـ ـيا تسفكُ دمـ ـكَ لِأيِّ سبب…!
قد تغـ ـتالكَ لأنكَ خُلِقْتَ في هذا العالم أحيانًا..
تغـ ـتالكَ لِأنكَ على قيدِ الحياةِ فقط.!
لصوص الأرواح… ناهبو الابتسامة
إنهم يغتـ ـالون الأحلام في المهد، ويئدون بسملة القصيدة.
قبيحٌ أن يُقتـ ـل طفلٌ عائد مِن أروقةِ العِلم، بِرصاصةِ زنبيلٍ رجعيٍّ قادم من ظلام الإمامة.!
يا لَفداحة الأمر…! ويا لَهول الكارثة…!

أخروني يا قوم،
بِربِّكم، كيف يُقتـ ـلُ طفلٌ يحلم بالمعرفة، مؤمنٌ بِالإنسانية،
بينما بِسلامٍ يعيش ذلك القناص السلالي، الحيواني، المتعفن إلى حد لا يغتسل إلا مرةً في السنة؟!
كيف يُقتـ ـلُ طفلٌ قلبهُ معلقٌ في المدارس..
بينما يعيش القناص المليشـ ـاوي الذي يظن أن الموت عِلْمٌ نافعٌ والقتـ ـل مهنةٌ شريفة، وهو أستاذهما الوحيد.؟!
كيف يُقتـ ـلُ طفلٌ عابقٌ بِأريج البراءة..
بينما يعيش القناص الرجعي الذي _ كل يومٍ _ يختار أهدافه من المدنيين، كما لو أنهُ يوزع الموت حصة يومية، بِقناصةٍ ملعونة، منذ عقدٍ مِن الزمن وهِيَ سبب ثكل الأمهات في هذا الوطن.؟!
كيف يُقتـ ـلُ طفلٌ لا يحمل في حقيبته سوى قلم الرصاص، وعلبة ألوانٍ وشيءٍ من كراسات…
في حين ينعم بِالحياةِ زنبيلٌ لا يعرف حروف الأبجدية، مسعورٌ يعيش على سجية القتـ ـل والنهب وقطع الطرقات.؟!
كيف تصطادون حمام السلام…؟!
كيف تغتالون الورد، وتصوبون نحو الزهور الأعيرة النارية.؟!
كيف تشعلون النار في البراعم؟ كيف…؟ !
لكنهم الإماميون يا قوم، ترعبهم الأقلام والكتب والدفاتر..
أعداء التقدم… يرعبهم العِلم والتحضُّر…
مليشـ ـيا رجعيَّةٌ، ما إن تحكُمكَ حتى تصيِّركَ أعرابيًّا ينتمي إلى القرن الثالث عشر.!
إنهم يعيشون حياة الغاب..
يكرهون الوعي، فهُم يقتاتون ويتنامون على الجهل..
الجهل وحدهُ مَن يُوَفِّر لهم تلكَ البيئة الخصبة التي تمكنهم من زرع أفكارهم الملغومة، ومعتقداتهم المتطرفة إلى حد قتـ ـل النساء والأطفال.. تلكَ المعتقدات التي بِمقدورِها تسييدهم على المجتمع.
لِذا مَن يقف مع هذه المليشـ ـيا ولو بِكلمة؛ فقد كفر بِالأديانِ وبِالإنسانيَّة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى