
في لحظة إقليمية مشتعلة تتكاثف فيها نذر الانفجار الكبير يتقدم الحوثيون خطوة أخرى نحو ترسيخ موقعهم كذراع عسكرية في صراع لا يخص اليمنيين بقدر ما يخص حسابات إقليمية معقدة ومتشابكة وبينما تتجه الأنظار إلى المواجهة المفتوحة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى يخرج الصوت من صنعاء لا ليعبر عن دولة ولا عن إرادة شعب بل ليعلن انخراط جماعة في حرب أوسع مستخدمة أرض اليمن منصة لإطلاق الرسائل النارية
إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل من الأراضي اليمنية ليس أمرا طبيعيا بالنسبة للجماعة ولا يمكن قراءته خارج سياقه الحقيقي فهو إعلان صريح بأن القرار السيادي قد جرى مصادرته وأن الجماعة التي رفعت شعارات الاستقلال أصبحت جزءا من منظومة عسكرية تديرها طهران وفق إيقاع مصالحها وتوقيت معاركها وما كان يوما صراعا داخليا على السلطة تحول اليوم إلى وظيفة إقليمية تُؤدى بدقة حتى وإن كان الثمن ما تبقى من هذا البلد المنهك
في العمق لا تبدو هذه الخطوة سوى محاولة للهروب من واقع داخلي مأزوم فالجماعة التي أخفقت في إدارة أبسط مقومات الحياة لملايين اليمنيين والتي تركت المدن تغرق في الفقر والعتمة والجوع تبحث عن انتصار خارجي معنوي تصدره للداخل كتعويض عن عجزها المزمن وهنا تصبح الصواريخ لغة سياسية بديلة عن الخبز والكهرباء ويصبح التصعيد وسيلة لإسكات الأسئلة الثقيلة التي تتراكم في صدور المواطنين
غير أن ما يغيب عمدا عن هذا المشهد هو أن كلفة هذه المغامرة لا تُدفع في العواصم البعيدة بل تُقتطع من أعمار اليمنيين وأرزاقهم فكل صاروخ ينطلق من هذه الأرض يجر خلفه احتمالات الرد ويعمق عزلة بلد يختنق أصلا ويمنح القوى الدولية مبررات إضافية للتدخل ويعيد اليمن إلى صدارة بنك الأهداف بعد أن كان يأمل بالخروج من دوامة الحرب
ومع اتساع رقعة التوتر يتجاوز الخطر حدود الجغرافيا اليمنية ليصل إلى واحد من أهم شرايين العالم باب المندب هذا الممر الذي طالما كان بوابة للتجارة العالمية مهدد اليوم بأن يتحول إلى ساحة مواجهة مفتوحة وإذا ما تلاقت نيران هرمز وباب المندب في لحظة واحدة فإن العالم قد يواجه اختناقا بحريا يعصف بسلاسل الإمداد ويرفع أسعار الطاقة ويضع الاقتصاد الدولي أمام اختبار قاس لا يحتمل المزيد من الصدمات
هنا لا تعود القضية مجرد صاروخ عابر بل تصبح مسألة أمن دولي ومصالح كبرى وتتحول اليمن مرة أخرى إلى عقدة في شبكة الصراع العالمي بلد فقير يُدفع إلى قلب المعادلة الأخطر بينما يغيب صوته الحقيقي ويُختزل في خطاب جماعة لا تمثل إلا نفسها ولا ترى في اليمن سوى ساحة مناسبة لإرسال الرسائل والدفاع عن ممولها وراعيها الأساسي في طهران
وإذا كان الحوثيون يراهنون على أن هذا التصعيد سيمنحهم ثقلا سياسيا أو موقعا تفاوضيا أفضل فإن التجارب السابقة تقول إن هذا الطريق لا يقود إلا إلى مزيد من الدمار فكلما تمدد دور الجماعة خارج حدود اليمن كلما تضاءلت فرص الحل الداخلي وتعقدت مسارات السلام وتحول الصراع من أزمة وطنية قابلة للحل إلى جزء من حرب إقليمية مفتوحة لا أحد يعرف كيف ستنتهي
وفي خضم هذا كله يبقى المواطن اليمني العادي وحيدا في مواجهة مصيره يبحث عن راتب لا يأتي وعن خدمات لا تُقدم وعن أمان يتلاشى بينما تُرفع فوق رأسه شعارات كبرى لا تطعمه ولا تحميه ولا تعيد له دولته المسلوبة وبين خطاب المقاومة وواقع الانهيار تتسع الفجوة حتى تكاد تبتلع ما تبقى من معنى الوطن الذي يعيش ثلثي سكانه تحت خط الفقر حسب تقارير المنظمات الدولية والإنسانية
إن أخطر ما تقوم به المليشيات الحوثية ليس الصواريخ ذاتها بل التحول العميق في وظيفة اليمن من بلد يسعى للخروج من حربه الخاصة إلى منصة دائمة لحروب الآخرين ومن ساحة تبحث عن السلام إلى نقطة اشتعال دائمة في خارطة الصراع الإقليمي وما لم يُدرك اليمنيون ومعهم القوى الإقليمية والدولية خطورة هذا المسار فإن البلاد ماضية نحو مرحلة أشد قسوة حيث لا مكان للحياد ولا فرصة للنجاة من تداعيات نار تزداد اتساعا يوما بعد يوم لا يبدو أن أحدا في هذا المشهد يفكر فعلا باليمن كدولة أو كشعب بقدر ما يُنظر إليه كأداة أو موقع أو ورقة تفاوض وهذا هو جوهر المأساة أن يتحول وطن كامل إلى مجرد هامش في حرب كبرى وأن يُترك شعبه يواجه العواقب وحده بينما تُكتب القرارات في أماكن أخرى بعيدة عن معاناته وقريبة فقط من مصالح من يشعلون الحروب ثم يغادرونها دون أن يلتفتوا إلى الخراب الذي يتركونه خلفهم



