
مع كل عودةٍ لشهر رمضان المبارك ، تتجدد محاولة الدراما اليمنية للعودة إلى المشهد، حاملةً معها هموم المجتمع وأسئلته المتراكمة. وفي هذا السياق، جاء مسلسل “الضايعة” كأحد الأعمال التي سعت إلى الاقتراب من قضية حساسة ومتشعبة، وهي الفوارق بين الطبقات الاجتماعية، مقدماً ذلك في قالب درامي يمزج بين الواقعية والطرح المباشر.
من حيث الفكرة، يلامس العمل منطقة غنية درامياً؛ فالصراع الطبقي يظل من أكثر الموضوعات قدرة على إنتاج حكايات إنسانية مؤثرة. وقد حاول “الضايعة” تسليط الضوء على التباين الواضح بين حياة الفقراء والأثرياء، من خلال شخصيات تنتمي إلى بيئات مختلفة، تتقاطع مصائرها ضمن سياق اجتماعي واحد. هذه المقاربة تمنح العمل في بدايته جاذبية واضحة، خصوصاً لدى جمهور يبحث عن أعمال تعكس واقعه اليومي.
إلى جانب ذلك، يبرز في العمل محور إنساني مهم يتمثل في قضية اليُتم ودور الأيتام (الميتم)، حيث يقدم المسلسل نماذج لشخصيات نشأت في بيئات تفتقد إلى الرعاية الأسرية الطبيعية. هذا الخط الدرامي يضيف بعداً عاطفياً واضحاً، ويكشف عن التحديات النفسية والاجتماعية التي يواجهها الأيتام، سواء داخل المؤسسات أو بعد خروجهم إلى المجتمع. كما يربط العمل بشكل غير مباشر بين اليُتم والفوارق الطبقية، إذ يظهر كيف يمكن للحرمان الأسري أن يتقاطع مع الحرمان المادي، ليضاعف من معاناة الفرد ويحدّ من فرصه في الحياة.
غير أن معالجة هذا الجانب، رغم أهميته، لم تخلُ من المباشرة أحياناً، حيث تم تقديم معاناة الأيتام في بعض المشاهد بصورة خطابية، تركز على إثارة التعاطف أكثر من تعميق الفهم النفسي والاجتماعي لهذه الفئة. وكان بالإمكان منح هذه الشخصيات مساحة أكبر للتطور، بحيث لا تبقى محصورة في إطار الضحية، بل تتحول إلى نماذج إنسانية أكثر تعقيداً وواقعية.
وعند متابعة الحلقات، يتضح أن الفكرة العامة، رغم قوتها، لم تُستثمر دائماً بالشكل الكافي. ففي كثير من الأحيان، بدا الطرح مباشراً أكثر من اللازم، حيث يتم تقديم الفوارق الطبقية عبر حوارات صريحة ومواقف متوقعة، بدلاً من بنائها تدريجياً من خلال تطور الأحداث والشخصيات. ومع تكرار هذا الأسلوب، يفقد العمل شيئاً من عمقه، ويتحول من دراما تطرح أسئلة إلى خطاب يقدّم إجابات جاهزة.
على مستوى الشخصيات، اعتمد المسلسل إلى حد كبير على نماذج مألوفة: الثري المتسلط، الفقير المكافح، الشاب الحالم بالخروج من واقعه، والمرأة التي تجد نفسها بين ضغوط الحاجة وحدود المجتمع. ورغم أن هذه النماذج موجودة فعلاً في الواقع، إلا أن تقديمها بصورة نمطية قلل من فرص تطورها، وجعل بعض الشخصيات تبدو كرموز لفكرة معينة أكثر من كونها كائنات درامية حية تحمل تناقضاتها وتعقيداتها.
أما من ناحية المعالجة، فقد اتجه العمل في بعض مشاهده إلى المبالغة في إبراز الفجوة بين الطبقات، سواء من خلال الديكور أو الأزياء أو طبيعة الحوارات. هذا التباين الحاد، رغم أنه يخدم الفكرة ظاهرياً، إلا أنه أحياناً يضعف الإحساس بالواقعية، إذ تبدو الفروق وكأنها مرسومة بخطوط واضحة جداً، لا تعكس دائماً التداخل الحقيقي الموجود في المجتمع اليمني، حيث تتقاطع الطبقات أكثر مما تنفصل.
ورغم ذلك، لا يمكن إغفال أن “الضايعة” نجح في إثارة نقاش مهم حول العدالة الاجتماعية، إضافة إلى تسليطه الضوء على فئة الأيتام وما تعانيه من تهميش وصعوبات، وهو ما يُحسب له في ظل ندرة الأعمال التي تقترب من هذه القضايا بوضوح. فقد أعاد المسلسل طرح تساؤلات تتعلق بالفرص غير المتكافئة، والتعليم، والعمل، وحتى العلاقات الإنسانية التي تتأثر بشكل مباشر بالوضع الاقتصادي والخلفية الاجتماعية للفرد.
لكن هذا الطرح كان يمكن أن يكون أكثر تأثيراً لو اعتمد على البناء الدرامي المتماسك بدلاً من الاتكاء على المواقف الخطابية. فالمشاهد لا يتفاعل مع الفكرة بحد ذاتها، بقدر ما يتفاعل مع القصة التي تجسد هذه الفكرة بشكل غير مباشر، وتجعله يكتشفها بنفسه.
على المستوى الفني، يعكس العمل التحديات المعتادة التي تواجه الدراما اليمنية، من حيث محدودية الإمكانيات الإنتاجية، وهو ما يظهر في بعض مواقع التصوير وطبيعة الإخراج. ومع ذلك، يبقى الجهد المبذول واضحاً في محاولة تقديم عمل يحمل رسالة اجتماعية، حتى وإن لم ينجح دائماً في تحقيق التوازن بين الشكل والمضمون.
في المحصلة، لا يمكن اعتبار “الضايعة” عملاً متكاملاً من الناحية الفنية، لكنه يظل محاولة جادة لفتح ملف الفوارق الطبقية وقضية اليُتم في المجتمع اليمني ضمن دراما رمضانية تسعى للتجدد. وربما تكمن أهميته الحقيقية في كونه يعكس رغبة متزايدة لدى صناع الدراما في الانتقال من الترفيه الخفيف إلى طرح قضايا أكثر عمقاً وارتباطاً بالواقع.
فالدراما، في نهاية المطاف، لا تُقاس فقط بمدى إتقانها الفني، بل أيضاً بقدرتها على تحريك المياه الراكدة وفتح باب النقاش. وإذا كان “الضايعة” قد نجح في ذلك، فإنه يضع خطوة – ولو متواضعة – في طريق دراما يمنية أكثر وعياً بواقعها، وأكثر قدرة على التعبير عن الفجوات الإنسانية والاجتماعية التي تشكل جزءاً من حياة الناس اليومية.



